البث المباشر الراديو 9090
أحمد عنتر
لمعت عيناه ثم ارتعش، أغمض عينيه على وطن نابض بالمحبة، وفى قلبه ألف سؤال وإجابة عن "سنوات الخماسين"، أغمضها بعد أن أيقن تمامًا أن الأمل باق فى قلوب من أحبوه أو تعلموا منه أو نشأوا على مدرسته الصحفية الخاوية من الخواء والاستسهال والتجارة الرخيصة، وبعد أن آمن تمام الإيمان أن حب الوطن والعمل لأجله، راسخ فى وجدان من انتحبوا لأجله، ومن حملوا جثمانه إلى مكان أفضل، خاليًا من الترقب والسعى خلف المتاعب فى مهنة قاسية ملول.

ياسر رزق، خرج حاويًا فى قلبه ملفات وطن، يدرسها فى عقله بعناية فيلسوف وضمير قاض، إلا أن القلب لم يحتمل كل هذا الحكى وكل تلكم التفاصيل فصار إلى التوقف أقرب كأنما ليريح صاحبه عناء الفكر والتجوال بين ما غشى الوطن من مؤرقات ونصب ليرقد فى سلام ومحبة هادئ الملامح كما كان، صموتًا وقورًا كما عاش فى سنواته الخمسين.

كأنما هو بالذات، من اختاره قلبه ليطمس حقائقه الساكنة فى دواخله وأدراج مكتبه.. فالقلب يدرك ما تحمله صاحبه من آلام مواجهة الحقيقة والكتابة عنها وآمال التعاطى مع البسطاء والحديث معهم.. وداعًا يا رفيق البلاط الكبير، يا من رحلت فى مرحلة فارقة بحق، فى بلاط صحفى يمزقه الرحيل – رحيل العارفين - لكنه لا يبكى، يتلفت حوله عله يجد من ريح من رحلوا قليلاً قبل الوداع الكامل.

ياسر رزق الذى تخرج فى كلية الإعلام وقت أن كنت أحبو بغير مجاز، ترك إرثًا لا يحتمله غير من هم أهل له، إرثا من الوطنية والكتابة والالتفاف حول القضية، ترك للحق صوت وللحقيقة وجود، وللصحافة مدرسة، فكان رحيله فارقا مسربلا بالوجع لدى كل من عرفوه وعاشروه أو عملوا معه فى وسط وبيئة لا يرحمان، ولا يفرطان ولا ينامان.

بين يناير الغضب ويونيو الخلاص كان ياسر رزق رابضا للحقيقة، يموج بعلمه وحكاياته وخبراته ومعاصرته للحدث والذكرى، يبدو متألقا بقلمه كعادته، لكنه الألق النهائى، والعطاء السرمدى، الذى سيذهب معه إلى عليين، راضيا عنه وبه، فـ "سنوات الخماسين"، التى خطها بمداد من دمه وحياته، لن تكتمل بعد اليوم، إذ أضحى على الراحل أن ينظر من أعلى إلى السنوات الباقيات فى عمر البشرية بينما تمر مر السحاب، تحمل له النجوى فى وطن مطمئن آمن.

ياسر رزق، كما يقول المقربون كان يحمل فى جوف القلم إصدارات أخرى من كتابه، إلا أن القدر لم يمهله ليكمل سلسلة المعاصرة والتأريخ لحقب عاشت فيها البلاد مزيجًا من الوطنية والخيانة وصراعًا بين النور والظلمة، وتأرجحًا بين صرخات الظلم وصيحات النجاة، لكن القدر قدم لياسر رزق فى المقابل خلودًا للاسم والعطاء، ورحيلاً لن يهدأ ما استمر مداد القلم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز