جمال رائف
زيارة الرئيس الأمريكى جو بايدن لمنطقة الشرق الأوسط تأتى بعد أن أصاب المشهد الدولى تعقيدات بالغة الصعوبة بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية وما تبعها من أوضاع اقتصادية دولية صعبة، الأمر الذى يتطلب إعادة تموضع أمريكى داخل منظومة السياسة الدولية وترتيب دوائر اهتماماتها مجددا، فمنذ وصول بايدن إلى البيت الأبيض يلاحظ أن تحركات الخارجية الأمريكية تتجه نحو تعزيز الشراكات مع الجانب الأوروبى والحلفاء فى شرق آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند.
بالتوازى أيضًا عملت واشنطن على خلق علاقات ربط بين حلفائها على صعيد المحيط الهندى والمحيط الهادئ، وظهر الاهتمام الأمريكى بتطوير علاقاتها مع إنجلترا وكندا وأستراليا وخلق وإحياء التكتلات التى تدعم تلك الطموحات الأمريكية، لهذا ركزت زيارات بايدن الخارجية على هذه النقاط، فى المقابل تراجع الاهتمام الأمريكى بقضايا الشرق الأوسط ولعل الانسحاب الأمريكى المهين من أفغانستان الذى أحرج البيت الأبيض عطل خطط الانسحاب السريعة من عدد من النقاط الشرق أوسطية مثل سوريا والعراق.
محاولة أمريكية جديدة الآن لتصحيح مسار عملها داخل المجتمع الدولى بعد تبنى الموقف العربى حياد إيجابي يسعى لدعم مسارات الحلول السياسية لتهدئة الصراع الدولى دون الانخراط فى هذا الصراع، ما دفع جميع الأطراف الدولية لخلق تجاذبات سياسية واقتصادية تحاول إخراج الموقف العربى عن هذا الحياد الإيجابى، لهذا يعد المحافظة على هذا الموقف العربى أحد أهم المكاسب الهامة التى يجب اقتناصها من قمة جدة.
فرغم ازدحام طاولة النقاش بالملفات سواء التقليدية كالقضية الفلسطينية وغيرها من أزمات باتت مزمنة بمنطقة الشرق الأوسط أو المستجد من تلك الملفات وبالتحديد تلك الناتجة عن الأزمة الاقتصادية العالمية التى أسفرت عنها تداعيات جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية، إلا أن هناك ترابط بين تلك الملفات التقليدية والمستجدة من حيث استخدامها كأوراق لعب سياسى لتمرير المصالح المشتركة، لهذا كان الرئيس الأمريكى بايدن حريص على إظهار الموقف الأمريكى الداعم لحل الدولتين بشأن القضية الفلسطينية، وبالتوازى تحدث أيضًا عن أن زيارته للمنطقة جاءت لتبحث عن المصالح الأمريكية، ما يؤكد أن الجانب الأمريكى يسعى لمناقشة جميع الملفات التقليدية منها أو المستجدة دفعة واحدة مع الجانب العربى.
الاستدارة الأمريكية للشرق الأوسط الآن تهدف لتجنب ويلات الأزمات التى تكلفتها نتاج الصراع الدولى القائم والذى يعد أمن الغذاء والطاقة بالتحديد أبرز المهددات التى أسفر عنها الوضع العالمى الرهان، بجانب القضية الفلسطينية وفق اهتمامات الجانب الأمريكى، أما الجانب العربى فهو يسعى لحصد مكاسب مباشرة فى قضايا السلام فى المنطقة، والتى يمكن أن تتحقق بشكل مباشر عبر الملف الفلسطينى وهو ملف تنخرط به الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر.
أيضًا المصلحة العربية تدعم تهدئة الصراع الدولى بما يضمن الأمن الغذائى والملاحى للدول العربية وبالتالى من المنطقى أن قمة جدة ستعمل لخدمة المصالح العربية دون الانحياز لأى من أطراف الصراع، فمن المنتظر أن نجد إدارة سياسية للملفات ذات الاهتمام المشترك بما يخدم مصالح جميع الأطراف، فلا شك أن قمة جدة فرصة هامة فى توقيت مفصلى لإحداث تقارب عربى أمريكى ونقاش سياسى يسفر عن تحقيق المكاسب المشتركة لكافة الأطراف وبما يخدم قضايا السلام والاستقرار إقليميًا ودوليًا.