البث المباشر الراديو 9090
الكاتب الصحفي محمود بسيوني، رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم
تذهب كثير من التحليلات الدولية إلى أن البشرية تتعرض لخطر شديد، جراء تصاعد الصراع الروسى - الغربى الجارى على الأراضى الأوكرانية، وما يحيط بها من مخاوف اشتعال حرب نووية نتيجتها فناء البشرية.

فى تصورى، إن هناك صراعات أخرى ستشتعل وتتصاعد إلى أفاق مقلقة وخطيرة، أخطرها على الإطلاق تعالى نبرة خطاب الكراهية، واستهداف المقدسات الدينية، والتلاعب بمشاعر المؤمنين، بمشاهد مستفزة مثل استهداف المصحف الشريف بالحرق فى عدد من الدول الأوروبية، من جانب شخصيات عليها مئات من علامات الاستفهام مرتبطة بالسبب والتوقيت ومن المستفيد.

لن أذهب بعيدا فى محاولة تفسير ما يجرى فى دول مثل السويد والدنمارك، وإن كان معروفا عن تلك الدول جهلها الشديد بالثقافة الإسلامية، ولا تكترث باحترام شعائرها ومقدساتها، وللإنصاف الأمر ينطبق على الديانات السماوية الثلاث، وإن كان المقدس اليهودى محمى بقوة جريمة معاداة السامية، بينما المقدس الإسلامى والمسيحى مستباح.

خطورة ما يحدث فى الغرب سواء من جانب تيارات اليمين المتطرف أو الشخصيات غريبة الأطوار تجاه المقدس الإسلامى، هو أنها تسكب مزيدا من البنزين على العلاقات بين الشرق والغرب، وتعطى المبرر والذريعة للتيارات المتطرفة والذئاب المنفردة لاستهداف المجتمعات الغربية والأجانب عموما فى دول المشرق، ناهيك عن تدهور العلاقات بين تلك الدول والدول العربية والإسلامية، ومن ثم تعطل استفادة كلا الجانبين من بعضهما البعض وهو التطبيق العملى لقول الله تبارك وتعالى فى سورة الحجرات "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" فالتعارف ومن ثم التعاون أمر إلهى عند كل مسلم.

الطريق الوحيد لحل تلك المعضلة هو الحوار، والحوار يختلف عن التفاوض فلا حاجة لأحد أن يقنع الآخر بأمر لا يريده أو يخرج بمكسب، ولكن الحوار كقيمة مبنية على فكرة أصيلة وهى الاستماع إلى الآخر، والإنصات لقيمه التى ربما تختلف معها كليا، لكن المطلوب من الحوار هو الاستماع إلى الآخر وتفهم مواقفه، التعرف عليه بدلا من الصراع معه، بما يحقق المصلحة للجميع.

وبناء عليه تصبح عملية الحوار المستمر مع الغرب هى طوق النجاة فى عالم مضطرب، لأننا بالفعل نواجه هجمات مستعرة لا تستهدف فقط المقدسات، ولكنها ممتدة إلى عادات وتقاليد وهوية الشعوب، فى محاولة لاستنساخ تجارب بعينها وتعميمها على العالم كله، وهو ما يمثل خطرا حقيقيا على قيمة التنوع والاختلاف التى بنيت عليها الحضارة البشرية.

ولذلك يكتسب النشاط الذى تقوم به الهيئة القبطية الإنجيلية فى مصر، للحوار مع أطراف متعددة ونشطة فى الولايات المتحدة وأوروبا أهمية متزايدة لأنها فرصة متجددة باستمرار لتوضيح وجهات النظر، والاستماع إلى الآخر وبناء أطر جديدة للشراكة مبنية على مبدأ احترام الاختلاف ورفض خطابات الكراهية.

وقد تابعت باهتمام مجريات الحوار المصرى - الأمريكى بقيادة الدكتور أندريه ذكى رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، رئيس الهيئة القبطية الإنجيلية، ولقاءات الوفد المصرى مع قيادات مجتمع مدنى وأعضاء كونجرس وقادة كنائس، من جميع أنحاء الولايات المتحدة، بهدف بناء الجسور بين الشعبين، وضرورة التواصل لتقديم الصور الصحيحة عن المجتمع المصرى والأمريكى.

وعلى الجانب الآخر، عبر أعضاء الكونجرس الذين قاموا بزيارة مصر ضمن البرنامج، ومن بينهم عضو الكونجرس Debbie Lesko من أريزونا، والتى عبرت عن سعادتها بزيارة رائعة لمصر منذ أسبوع وزيارة الأقصر وأسوان والفرافرة، وقالت إنها شاهدت بنفسها التقدم الكبير فى جميع المجالات، كما عبرت عن تقديرها للرئيس عبدالفتاح السيسى، والتقدم الكبير فى مجال الحريات الدينية فى مصر.

والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات المجتمعية، هى إحدى مؤسسات المجتمع المدنى العاملة فى مصر منذ ما يقارب الـ70 عاما، وتهتم بالتنمية الشاملة للإنسان بكل جوانب التنمية ولديها برامج شراكة قوية مع الأزهر والأوقاف والكنائس المصرية، بالإضافة إلى التعاون مع مجموعة من رجال الدين والأكاديميين والإعلاميين حتى يكون لهم دورا لنشر ثقافة التسامح فى المجتمع المصرى وللتأكيد على مبدأ المواطنة.

وتملك الهيئة شبكة عربية للحوار تضم عددا من الدول العربية ومهتمين بقضايا الحوار على مستوى المنطقة العربية، وبدأت فى العمل عقب أحداث 11 سبتمبر لمواجهة تصاعد الإسلامفوبيا، وذلك من أجل بناء جسور فهم مشترك بين الغرب والشرق.

أما منتدى حوار الثقافات، فقد بدأ عام 1992، كجزء من الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية "CEOSS" ركز على قضايا ترتبط ارتباطا مباشرا فى التنمية الثقافية: بناء التسامح وقبول الآخر، والاحترام المتبادل، التعايش السلمى، وغيرها، والتى تستهدف فئات متعددة من المجتمع.

ويعمل المنتدى عبر برامج وحدتى منتدى حوار الثقافات وبناء السلام، من خلال تمكين الفئات الفاعلة وخاصةً الشباب من المؤسسات الثقافية والدينية والإعلامية والأكاديمية، ومؤسسات المجتمع المدنى، ليكونوا عوامل تغيير إيجابى فى مؤسساتهم ومجتمعاتهم نحو تعزيز التماسك المجتمعى ومناهضة خطابات الكراهية.

وامتد الجهد من الجانب الأمريكى إلى الجانب الاوروبى، وقد شرفت بحضور الجلسة الأولى من منتدى الحوار العربى الأوروبى تحت عنوان "الدين والمجتمع"، وشارك فى أعماله 17 دولة من الاتحاد الأوروبى وروسيا والمنطقة العربية، من أعضاء الحوار العربى الأوروبى، والذى تم خلال جلساته مناقشة أهم تحديات المجتمع محليًّا وعالميًّا، على مدار ثلاثة أيام، بجانب عدد من الزيارات الميدانية، التى شملت زيارة وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة، والمركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية.

وتضمنت توصياته إتاحة المزيد من المساحات المشتركة بين الدول الأعضاء، كما دعا المشاركون إلى إلقاء الضوء على قضايا البيئة والمناخ والتقدم التكنولوجى والذكاء الاصطناعى، جنبًا إلى جنب مع الإعلام وتحديات العمل الأهلى والخصوصيات الثقافية، بوصفها جميعًا قضايا تتعلق بالنقاش الأوسع حول دور العمل الأهلى فى تنمية الفرد والمجتمع، كما أشاد الحضور بالنقاش الذى تم فى مناخ من الحرية التى عززت فرص التفاهم وشرح خصوصيات وتجارب مجتمعية مؤثرة ومفيدة.

يمكن البناء على هذه الحوارات المتعددة مع الغرب فى وقف الاستفزاز المستمر واليومى لمشاعر المسلمين وتصاعد نبرة الاحتجاج من جانب الحكومات تجاه جرائم حرق المصحف الشريف فى الدول الغربية، وأن تكون المرجعية هى احترام ما جاء فى قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والذى نص على إدانة "أية دعوة وإظهار للكراهية الدينية، ومنها الأنشطة الأخيرة، العلنية والمتعمدة، التى أدت إلى نزع صفة القداسة عن القرآن"، ودعوة الدول إلى اعتماد قوانين تسمح لها بمحاسبة المسؤولين عن هذه الأفعال.

بالتأكيد الموضوعات المطروحة على مائدة الحوار متعددة ولكن جريمة حرق المصحف وتصاعد خطاب الكراهية تحتاج لعمل وجهد كبير من جانب المؤسسات المعنية ببناء الجسور المشتركة وصنع السلام فى عالم شديد الاضطراب.

نقلا عن روزاليوسف

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز