البث المباشر الراديو 9090
جمال رائف
العالم لم يعد قرية صغيرة، بل أصبح غرفة تضيق علي ساكنيها يوما بعد يوم، فلا أحد في أقصى الشرق بمعزل عن ما يحدث بأقصى الغرب، ولم يعد سكان الكوكب في حاجة إلى قنبلة نووية لإدراك أنهم في حالة حرب، بل إن المعركة الحقيقية تفخخ العقول لتصيب الوعي الذي هو حصن الشعوب في تلك الحرب العالمية الدائرة.

منذ أن ظهرت مصطلحات العولمة والتجارة الحرة، ونحن بصدد انفتاح سياسي واقتصادي بين الدول، ساهمت الثورة في مجالات التكنولوجيا والمواصلات والنقل وغيرها من أدوات حديثة في ايجاده بسرعة، وعبر اختصار للزمان والمكان ما أثر علي زيادة عملية التواصل أو التجارة بين الدول، وقد يبدوا هذا بطبيعة الحال أمرا جيدا، ولكن بعد أن تحول العالم إلى أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، سعت واشنطن لنشر مفاهيم العولمة على جميع الأصعدة، ليتخطى الأمر الاقتصاد ويشمل جميع المجالات، حتى تشابكت مصالح دول العالم مع القطب الواحد المهيمن على الاقتصاد والعالمي.

النتيجة الفعلية لهذا التشابك، هو وجود الدولار على عرش سلة العملات، وبالتالي حينما يتأثر الاقتصاد الأمريكي يتوجع العالم أجمع، بل ويدفع فاتورة هذا التأثر، المثال على هذا ما حدث في عام 2008 من أزمة اقتصادية كبرى في الداخل الأمريكي، أثرت على جميع اقتصاديات العالم، بالتالي ما نعيشه اليوم من أزمة اقتصادية عالمية ليس بواقع جديد أو مستغرب، بل هو منطقي وله شواهد سابقة، فهي علاقة طردية بين الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي، ولكن السؤال هنا لماذا يستشعر العالم اليوم ويلات هذا التشابك الاقتصادي بهذه الشراسة؟

الإجابة تعتمد هنا على عدة مسببات أهمها أن بطبيعة الحال كلما مر الوقت، كلما زادت فكرة عولمة الاقتصادية وتزايد الارتباط بالعملة المهيمنة على الاقتصاد الدولي وهي الدولار، السبب الثاني يتمثل في كون الاقتصاد الأمريكي في السابق كان من الوارد أن يعاني من بعض الأزمات الاقتصادية الناتجة عن كساد أو ركود في السوق العقاري، وهي أمور يمكن علاجها بخطط اقتصادية، ولكن اليوم الولايات المتحدة الأمريكية مكبلة بفواتير حروب ضخمة منذ غزو العراق أفغانستان وصولا للصراع في شرق أوروبا، وأيضا في بحر الصين الجنوبي، أحد الأسباب الجوهرية كذلك هو اتخاذ أطراف الصراع الدولي من الاقتصاد سلاحا وورقة ضغط أساسية، بل يرتكز عليها أطراف الصراع، كسبيل لتغير النظام الدولي القائم.

مصر ليست بمعزل عن هذا العالم المتصارع فهي تسكن نفس ذات الكوكب، ورغم أنها تصنف كدولة حياد إيجابي غير منخرطة في أي من تلك الصراعات الدولية القائمة، إلا إنها بطبيعة الحال تتأثر كما تتأثر دول العالم بتبعات هذه الصراعات والأزمات الدولية.

وهنا تأتي أهمية تغذية الوعي الجمعي للشعب المصري بتلك الحقائق حتى يتكون إدراك حقيقي بطبيعة المتغيرات الدولية وتأثيرتها على الوقع المحلي، فتكون هذا الإدراك هو السبيل الحقيقي لتخفيف تبعات الأزمات الدولية على الداخل، خصوصا في ظل اشتداد وتيرة حروب الشائعات والأكاذيب على الداخل المصري، والتي تستغل وتقوم بتسيس تلك التأثيرات العالمية على الاقتصاد المحلي، في محاولة لإفشال الدولة والزج بمصر داخل دومات الفوضى، بما يمكن الأطراف الدولية من استقطابها في الصراع الدولي القائم، بعد أن حققت الدولة المصرية نجاحا صعبا سواء على صعيد تحقيق الاستقرار الداخلي أو الحياد الإيجابي دوليا، وهو ما يدفع مصر لعدم الدخول في أي مغامرات خارجية تضر بمصالح الداخل المصري، بل تسعى بكل قوة لتعزيز أطر السلام والاستقرار إقليميا ودوليا، بجانب عملها على تخفيف تبعات تلك الأزمات العالمية على الداخل من خلال العمل والبناء وتعظيم البنية التحتية واللوجستية وزيادة الرقعة الزراعية وتوطين التصنيع وغيرها من أهداف تنموية تحتاج إلى المزيد من العمل.

يأتي هنا مجددا أهمية الإدراك والوعي الجمعي بطبيعة المرحلة الراهنة، وحاجة الوطن للمزيد من العمل الذي يعد السلاح الناجح لتحقيق النصر بمعركة البقاء والوجود، في ظل نظام عالمي يتشكل من جديد.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز