البث المباشر الراديو 9090
أحمد عنتر
"أتنفس ترابي وكرامتي، وأتحسس الأرض في جوف الأنقاض، لا أنفض عن نفسي الوجع، الذي طالما تعذبت به.. فوق الأنقاض وجع وأسفلها وجعان، وأنا بين الأمرين لا أتذكر ألما أو حسرة، بل لا يحرك أعضائي الثكلى المثخنة جراحا، إلا وطني، أنا باق فيه بعظامي، وعند الله تجتمع الخصوم".

بينما كان الطفل أبو عبيدة صامدا بهذا الفكر أسفل الأنقاض، كانت أمه تسأل المكلومين عنه، وينقبض قلبها لوعة إذا تعاظم القصف، وتنبسط أساريرها أملا إذا رأت الرجال يشدون على أيدي بعضهم قتالا وعزة، فإن وسط تلك المشاعر والكرامة يهون كل وليد.


***

"ظهيرة يوم عاصف، أنا أهتز مع الأرض والناس، لكن لا تزّل قدمي، هي ضاربة في الوطن والوجود، لكني اضطررت أن أحتمي بالأولاد فأخليت منزلي وبحثت عن مأوى، حاملا على ظهري همومي وحبي ووالدتي التي تجر السبعين عاما مع قدميها، وهبطت بهم الأدوار، لكن سبل النجاة لا تنقطع، والأمل يولد مع كل حصاة وحجر، حتى لو انقطعت إمدادات المياه وأصبح البيت غير متصل بالكهرباء تبقى حبال الله موصولة.. أحمل والدتي وأحث طفلتيّ على المسير، بينما نادية طفلتي الكبرى تدندن (يما هدوا دارنا، دار أخوي وجارنا، لا تزعلي يا ميمتي زادات لينا حجارنا)".


***


"كلما أخمدت النيران الإسرائيلية شعلة أمل، أشعل الزيتون الناهض على أرضنا شعلة أخرى، عيوننا تضحك كل يوم رغم غبار المعركة، وهم يستغربون أن اليأس لا يمس أطراف الثوب منا، وأن الابتسامة لا تفارق شفاه الأطفال في نير الاعتقال، يبدو أنهم أصبحوا الآن يدركون معنى أن تكون صاحب الأرض والحق، عندها يغدو المضي في الحياة لنا عادة، والمضي في الموت لنا شرف، بينما هم يواصلون الدفاع عن السرقة، والقتل في سبيل حياة مزيفة، أصلها مزعزع، وفرعها في أرض ليست لهم".

***

"ضاع عمري هنا، كنت أزرع الأرض زيتونا ورمانا، لكني لم أعد قادرا على البقاء أو التخلي في الآن نفسه، فكل الذكريات أصبحت مدفونة تحت الأنقاض، لكني لن أبرح مكاني ليس لأني متشبث بتلك الذكريات، بل لأحمي الآخرين من الاقتراب مني، فجواري تقبع قنبلة غير منفجرة، أفضل أن تنفجر في قلبي وحدي فقد بلغت من العمر أرذله، 80 عاما من الشقاء والتشبث بالأرض وانتزاع القوت منها، لكني أصبحت منزرعا فيها أنا الآخر، لا أقوى على المغادرة ولا أقوى على الموت قبل أن أؤمن للمارين حياة بعيدا عن الذخائر غير المنفجرة".


***

"هل يمكن أن توزعوا علينا الفرحة بدلا من الطعام والعلاج؟، أنا لم أتذوقها منذ عقدين، منذ مولدي لم أعرف طعم الأمان أو الحب، شابة نما نهداها وسط أرض طيبة لم تبخل في المشاعر، لكنها حرمت مثلي من الحرية والحياة، هلا تعيدون بناء الحياة لنا، لأني منذ أحببت "صهيبا"، قبل 4 أعوام لم أعد أراه، مات في القصف عندما تشكلت المشاعر بيننا.. هنا يقتلون الحب وقتما يولد بل ربما قبل أن يولد، ويزرعون الكراهية وسط حقول القمح والريحان".

***

في غزة تتعلم الصمت، فالكلمات تموت والتعبيرات تقتل، بينما تتعلق الصورة القاتمة الحزينة برقبتك، تنهش في لحم وجهك، وأنت قابض على دموعك وإنسانيتك ورجولتك، بينما يديك منصهرة خلف ظهرك، مقيدة بحبال قلة الحيلة والهوان.. هنا في غزة عليك أن تصمت وتصمت فإنك بالوادي المقتّل المسفوك.

في غزة تتعلم التشبث بالأرض، فأهلها يحبون أرضهم كحيواتهم، ويدافعون عنها دفاع المقاتل المستميت، فتدفن دونها العاديات، وتقبر فيها المدرعات، ويطوي العدو أحلامه، ويلملم قتلاه، ويبكي للعالم، يبكي الأرض التي لم يستطع سرقتها كاملة، فتنتفض الحناجر، وتذخر المدافع، وتتهيأ المقاتلات، بينما تبقى غزة عزيزة الصواري، وإن كانت مخضبة بالدماء.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز