البث المباشر الراديو 9090
شحاتة سلامة
لا تستهينوا بسلاح المُقاطعة في سبيل مُساندة قضيتكم والدفاع عنها، ليس صحيحًا أن المقاطعة لن تُجدي، وليس صحيحًا أنها مُجرد فقاعة في الهواء، المُقاطعة سلاح اقتصادي وسياسي كان له عظيم الأثر في كثير من الصراعات التاريخية، ونجحت من خلاله شعوب عديدة في تغيير خارطة العالم، وتعديل مصائرها جذريًا، وانتزعت شعوب أخرى حريتها فقط بسلاح المُقاطعة، وكلما ارتفع عدد المُقاطعين وازداد صمودهم، كلما ارتفعت خسائر الشركات الداعمة للمُحتل، وقد تبدأ هذه الخسائر محدودة لكنها تزداد تدريجيًا حتى تصبح سلاح ضغط قوي قادر على قلب الموازين.

نيلسون مانديلا، وقف في وجه نظام العنصرية المُتحكم في بلاده "الأبارتايد"، مُستندًا في كفاحه على حراك شعبوي استخدم سلاح المُقاطعة الذي أدى في النهاية لتخلص جنوب إفريقيا من هذا النظام الظالم، بعد أن نجح في مُقاطعة جميع مُنتجات "البيض"، وأرسل البعثات لجميع الدول لإقناعها بالمُقاطعة، وبعدها رفض جميع التنازلات التي قدمها "الأبارتايد" لإنهاء المُقاطعة، وكانت النتيجة الإفراج عن جميع المعُتقلين السياسيين بعد أن انعزل النظام العنصري عن العالم، ولدينا تجربة الشعب الهندي في الحصول على حريته، واستخدامه المُقاطعة كسلاح أساسي في وجه العدو البريطاني المُحتل، حيث دعا غاندي الهنود لمُقاطعة سلمية بدأت بالملح البريطاني، وامتدت لتشمل كافة المُنتجات لفترة طويلة، تكبدت خلالها بريطانيا خسائر فادحة، ما أضر بقدرتها على دفع فاتورة الاحتلال، ليكسب الشعب المعركة، وتنسحب بريطانيا من الهند بلا رجعة، وفي 2006 أدت حملة مقاطعة المُنتجات الدنماركية التي شنها العالم الإسلامي احتجاجًا على الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد، لتكبيد الدنمارك خسائر قُدرت بـ134 مليون يورو، وأدت لتراجع صادراتها بنسبة 15.5%، كما انخفضت صادراتها للشرق الأوسط بنسبة 50%.

التاريخ حافل بعشرات الروايات التي انتصر فيها سلاح المُقاطعة، وأعاد للشعوب حقوقها المسلوبة، ومُقاطعتنا هذه المرة هي الأسهل تاريخيًا، والأسرع في جدواها، فوسائل التواصل الاجتماعي، ساهمت في انتشارها بضراوة، ولاقت إجماعًا شعبيًا عريضًا، والأهم فيها أن المواطنون لا يقاطعون فحسب، وإنما يبحثون عن البدائل وطنية الصُنع، ما يُعطي فرصة رُبما لن تتكرر لنعتمد مُنتجاتنا، ونُعلي شعار "صُنع في مصر".

مُقاطعة العلامات التجارية الداعمة للكيان الصهيوني خلقت حالة تقبُل جديدة للمُنتج المحلي، حتى أن البعض بات يُردد أن المُقاطعة إن لم تؤثر إيجابيًا في دعم القضية، فستُسهم في تشجيع وانتشار مُنتج وطني، مؤكد هناك فارق في الجودة لصالحهم، وهو ما يُجب على مصانعنا أن تعمل على مواجهته بتحسين جودتها مع زيادة الطلب عليها، وهو ما يتطلب من الحكومة أن تتكاتف مع رجال الأعمال، لدعم وزيادة تواجد المُنتجات مصرية الصُنع، والسعي نحو توطين تلك الصناعات، لتوفير العملة الصعبة، وإيقاف نزيف الاستيراد، ولتحقيق المزيد من المكاسب الحقيقية لمُنتجاتنا الوطنية علينا كذلك الحفاظ علي وجود سعر مُناسب للمُنتج المحلي، فالتخفيضات التي تمت على أسعار السلع التي تمت مُقاطعتها بينت أن الموقف الجماعي نجح في مواجهة جشع بعض التجار المُستغلين للأزمات، كما وجب علينا الاستمرار في تقديم العروض الحقيقية للسلع وتسويقها بشكل جذاب، وزيادة خطوط الإنتاج، ودعم العمالة وتدريبها وتطوير قدراتها، والأهم الاعتماد بصورة كاملة على الخامات المصرية في جميع مراحل التصنيع.

والحقيقة، أن مصر فى عهد الرئيس السيسي، شهدت ازدهارًا كبيرًا فى القطاع الصناعي، الذي يُعد رافدًا رئيسًا لاستدامة التنمية بالبلاد، وكان الرئيس حريصًا خلال حضوره المعرض الدولي الثاني للصناعة، التأكيد برسائل مُحددة على أهمية الصناعة، وضرورة تقديم الدعم اللازم لها، وتطوير جميع مدخلاتها باستمرار، ودعم وتوظيف التقنيات الحديثة في عملها، وتوفير مناخ الاستثمار الحر لها، والاهتمام بالقيمة المُضافة التي تُحقق التنافسية والريادة، موجهًا بالاهتمام بمعايير الجودة العالمية لتنمية الإنتاج والاتجاه نحو التصدير وتقليل الاستيراد، وداعيًا لزيادة التدريب والتأهيل للعنصر البشري، وتهيئة المناخ الداعم لتوطين الصناعة، بما يُلبى طموحات المُستهلك، ويُمكن شباب الخريجين من إيجاد فرص العمل.

لا يترك الرئيس السيسي مُناسبة، إلا ويُشدد خلالها على ضرورة الاهتمام بالصناعات المحلية، بداية من المواد الخام، وصولًا لتقديم مُنتج عالي الجودة قادر على المُنافسة عالميًا، ومصر بفضل الله تمتلك عوامل النهضة الصناعية، من موقع جغرافي مُميز، ومُناخ مُلائم، وموارد مُتعددة، علاوة على العنصر البشري المُفعم بالمهارة والكفاءة والعزيمة، وبنية تحتية قوية قادرة على استيعاب أكبر المشروعات، والأهم الإرادة القوية لدى القيادة السياسية الداعمة للصناعة والاستثمار.

سلاح المُقاطعة يجب أن يستمر مدى الحياة، وهو ما يتطلب وعيًا كبيرًا بضرورة الاعتماد على المُنتج المحلي وتفضيله دعمًا لاقتصادنا الوطني، صراع الكيان الصهيوني معنا لا يُمكن تلخيصه في الحرب على غزة، هُم يحلمون بإقامة دولة إسرائيل من النيل للفرات، فليكن اقتصادنا القوي سلاحنا في معركتنا، شجع ابن بلدك في إنتاج مُنتج بلدك، وشجع صناعة بلدك، وسوقها في مواقع التواصل، وبالمعارض، ومع الأصدقاء، وبكل الطُرق المُمكنة، من هُنا قد تبدأ معركتنا ضد ارتفاع الدولار، وقد نُعيد لعملتنا المحلية قيمتها، والأهم أننا نحمي بلادنا، ونؤمنها ضد المخاطر المُحيطة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز