شحاتة سلامة
حرب طاحنة وإبادة جماعية تشنها إسرائيل على قطاع غزة، تكشف تفاصيلها عن الوجه القبيح لدولة الاحتلال الإسرائيلي، التي لم تتوان لحظة عن دعم حركات المقاومة المُسلحة في فلسطين لتوسيع الفجوة بين الفصائل من قبيل سياسة «فرق تسد»، وتُساهم دولة الاحتلال في ظهور تلك الحركات المُسلحة، ومنها حركة حماس، سواء بتوفير التمويل لها تارة، أو بسبب أعمالها الإجرامية بحق المدنيين تارة أخرى، الأمر الذي يولد الغضب لدى الفلسطينيين، وبالتالي تظهر جماعات مُسلحة.
هناك أدلة دامغة على تبني الاحتلال لتلك الجماعات، ووراء وجودها وعلى رأسها حركة حماس، بعكس ما تروج له تل أبيب حاليًا، بأن مصر السبب فيما وصلت إليه حالة قطاع غزة قبل هجوم 7 أكتوبر الذي شنته المقاومة الفلسطينية - على رأسها حركة حماس - ضد إسرائيل، وأخر ذلك ما نشرته صحيفة «هآرتس» في مقال لمسؤل سابق بالموساد تقاعد في 2019، ولم تذكر الصحيفة اسمه «مجهول»، تحدث فيه عن مصر، وتهريب الأسلحة لغزة عبر سيناء، ونشرته في 18 أبريل الجاري، يتهم فيه مصر بأنها تسببت في تهريب السلاح إلى غزة، نتيجة حالة اللامبالاة المصرية - على حد قول كاتب المقال - بخلاف الحقيقة.
في السطور التالية نسوق الأدلة على وقوف إسرائيل خلف ظهور الحركات المُسلحة، وفي القلب منها حركة حماس، وإضعاف السلطة الفلسطينية..
حكومات الاحتلال وآخرها حكومة بنيامين نتنياهو وفرت لجماعات مثل حركة حماس، الدعم المادي، من خلال الحفاظ على الإمداد الشهري لها بنحو 35 مليون دولار شهريًا - باعتراف وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي - لتظل طرفًا فاعلًا ومؤثرًا على الأرض، ما تسبب في إضعاف السلطة الفلسطينية المُمثلة الشرعية والوحيدة للشعب الفلسطيني والمعترف بها دوليًا.
لو كان ذلك الدعم موجهًا إلى السلطة بالقدر نفسه، الذي توفره للحركات المُسلحة، لكان لتلك السلطة شأن آخر، بعكس الوهن والضعف الذي أصابها حاليًا بشكل مُتعمد، ولكان للشعب الفلسطيني حياة مُختلفة الآن، تضمن معها توفير الأمن والاستقرار للمنطقة بشكل عام، ولكل من فلسطين وإسرائيل بشكل خاص.
المُتابع جيدًا لأساليب الدول الاستعمارية، يعلم أن من أحد أسبابها لغزو أي دولة، هو إيجاد سبب لذلك إما بتغذية النعرات الطائفية، أو بتسليط الضوء على صراع داخلي أو بتمويل أفراد أو حركات أو جماعات، لتكون مؤثرة وفاعلة على الأرض، يسهل من خلالها ضرب الاصطفاف الوطني وشق الصف، والضغط على الحكومات الشرعية من أجل خنقها وشيطنتها، وبالتالي الفوز بتلك الدولة، وهذا ما يحدث حاليًا في فلسطين، سلطة شرعية مُعترف بها دوليًا ومُمثلة للشعب، وحركات مقاومة مُسلحة، أنشأتها حكومات الاحتلال المُتعاقبة، ومولتها بالمال وأغدقت عليها حتى تعاظمت قوتها السياسية والعسكرية بشكل خرج على السيطرة، وانقلب معها السحر على الساحر.
وليس هذا مجرد كلام وإنما حقيقة واضحة وجلية للجميع، ويكفي أن نسأل أنفسنا من في مصلحته إضعاف السلطة الفلسطينية ليسهل القضاء على القضية الفلسطينية.. ومن تسبب في إضعافها بالصراعات الداخلية والحروب الأهلية؟!.. ومن أغدق المال على الحركات المسلحة طوال الفترة الماضية لتصبح بالشكل الذي عليه الآن؟!..
كمية الأنفاق التي أنشأتها الحركات المُسلحة طوال السنوات الماضية وتُعد أحد أهم أسباب قوتها، لنا أن نسأل كيف حفرتها؟!.. وكيف أخرجت الركام منها؟!.. ومن أين أتت بالأدوات اللوجستية للحفر؟!.. وقبل كل ذلك أين كانت أجهزة المخابرات الإسرائيلية وجواسيسها التي تنتشر على كل شبر من أرض فلسطين عامة وقطاع غزة خاصة؟!..
لسنا هُنا في مجال ذكر الأضرار التي تعرضت لها مصر في السنوات الماضية جراء تلك الأنفاق، ودفعت بسببها الغالي والنفيس من دماء خيرة جنود قواتنا المسلحة، ولا يخفى علينا سبب غسيل إسرائيل يدها حاليًا من المسئولية عن تلك الأنفاق وتوجيه الاتهامات لمصر في محاولة مفضوحة لتبرئة نفسها أمام شعبها، الذي تعرض لأكبر صدمة في تاريخ دولة الاحتلال على خلفية هجوم السابع من أكتوبر الذي شنته حركة حماس.
الأسلحة التي حصلت عليها الحركات المُسلحة في غزة، وكيف أصبحت بهذا الحجم والتأثير لدرجة قدرة صواريخ المقاومة على الوصول إلى قلب تل أبيب، وجميع المستعمرات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وهنا نتذكر حديث مؤسس حركة حماس السابق أحمد ياسين، عندما قال إنه يشتري الأسلحة من الجنود الإسرائيليين، وجميع الأسلحة التي تدخل القطاع تأتي من الاحتلال، سواء من الأنفاق التي امتدت إلى عمق المستوطنات حاليا أو في السابق عن طريق المنافذ الإسرائيلية وخاصة معبر كرم أبو سالم، الذي تشرف عليها سلطات الاحتلال.
وكذلك اعتراف مسؤولين إسرائيلين بشكل غير رسمي بأن مافيا تجارة السلاح في إسرائيل تقف وراء تمويل حركات المقاومة بكل أنواع السلاح من المسدس إلى الصاروخ، وأصبحت متوفرة حاليا بيد كل الفصائل في الضفة والقطاع.
بالتأكيد لن تنطلي المحاولات الإسرائيلية -المفضوحة- والمتكررة لغسل يدها من الأزمة الكبيرة التي تعيشها فلسطين حاليا، وإلصاق التهمة بدول الجوار ومنها مصر، في محاولة بائسة منها -كعادتها- للظهور بدور الضحية التي عاشته طيلة الـ57 عاما الماضية، وإظهار أنها تعيش في وسط منطقة لا تريد لها العيش في سلام، وبالتالي تضمن التمويل والدعم الدولي اللا منقطع لها من الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا وألمانيا وفرنسا إلخ...
فوحده فقط الجاحد الذي ينكر ما بذلته مصر خلال السنوات الماضية، من تضحيات جراء الإرهاب وتهريب السلاح وضربات الإرهابيين القادمين من قطاع من غزة إلى سيناء، على مرأى ومسمع من إسرائيل، التي غضت وقتها الطرف عن معاناة مصر، قبل أن تنجح الأخيرة في مطلع العام 2013، في حملتها على الإرهابين في سيناء في إطار «العملية الشاملة في سيناء»، وتقضي عليهم، وتبدأ عملية التنمية والتعمير التي بدأنا نجني ثمارها الآن.
كما أنه ليس من الإنصاف إنكار حفاظ مصر على السلام مع إسرائيل، على مدار أكثر من 40 عاما، رغم سعي الأخيرة لإفشالها بمحاولات أجهزة مخابراتها المستمرة لتجنيد جواسيس وعملاء، وإثارة القلاقل وزعزعة الاستقرار، الأمر الذي تفطنت له مصر، منذ البداية وتصرفت معه بكل حكمة ومسؤولية انطلاقا من دورها كقوة إقليمية مؤثرة وفاعلة تقودها قيادة حكيمة ورشيدة.