البث المباشر الراديو 9090
أحمد عنتر
أمام النافذة يلملم الأمل.. ذلك الصغير لا ينظر للزجاج المهشم الذي يحمل في تموجاته وبين شروخاته ألوانا كثيرة للوجود، بقدر ما ينظر للحياة التي يعتريها الموت، كذلك لا يشم رائحة ذلك الورد الرابض أسفل الشجرة الصامدة رغم القصف، بل لا تُزكم أنفه إلا رائحة الجثامين تحت الأنقاض القريبة من شرفة بيته العتيق.

مَن "خان يونس"؟.. إنه الحوت، الذي التقمه في جوفه غدرا وإنكارا لسموه النبوي، هكذا كان يفكر في اسم بلدته القابعة في جوف الخطر، لكنه لم ينتبه إلى أن "الخان" هو الأرض، وأن الخيانة يرتكبها العدوان وحده، إلا عندما خط شاربه، وأصابته أول قذيفة فشجت رأسه.

الفتى كان ممتنا لتاريخ خان يونس رغم صغر العمر والبلدة، فخورا بما تبقى من قلعة برقوق، التي بنيت عام 1387 ميلادية، على شكل مجمع حكومي كامل حصين عالي الجدران، كان مستمتعا بالخلوة التي يألفها هناك، وبجانبه مسجد عتيق وبئر لامعة.

كان الصغير يحلم كثيرا بساعد قوي كأبطال الأساطير، وكان يرى نفسه بأجنحة ومخالب، يزود بها عن الأرض والتاريخ والذكريات، ويواجه بها محاولات العدوان للسيطرة على التراث والعمر، بينما كنت أحلم وصديقي "أبو السول" – حلما مشروعا أيضا - بأن نرد التنمر لبعضنا البعض هزرا ومودة.

الاحتلال يستهدف خان يونس ليستهدف القادة والكبار، هكذا يرى الولد، وهو لا يعرف أن صحيفة «وول ستريت جورنال» في تحليلها السياسي، ترى الأمر نفسه فخان يونس مسقط رأس قادة بارزين في حركة حماس من بينهم يحيى السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى.

إسرائيل ترى هؤلاء – كما يراهم الولد – أبطالا خارقين، إذ يديرون العمليات المستحيلة ضد الكيان المحتل، وبعد كل مهمة يركضون إلى الأنفاق، فلا يُرى لهم سبيل أو أثر.

وخان يونس المدينة – لمن يحب الاسم ويعجبه رنين الزمن فيه - هي مركز المحافظة نفسها، وتقع جنوب قطاع غزة وتبعد عن القدس 100 كيلو متر، لكن العجيب أنها من تأسيس المماليك في القرن الرابع عشر إذ ظلت على حالها طيلة فترة الحكم العثماني، وازدهرت قبل الانتداب البريطاني على فلسطين.

يتذكر الفتى عبر زجاج الشرفة ما قرأه في كتب التاريخ عن أن هذه المدينة بنيت على أنقاض مدينة قديمة كانت تعرف باسم جنيس في القرن الخامس قبل الميلاد، حتى هيرودوس ذكرها في مدوناته بأنها تقع جنوبي مدينة غزة.

ذلك التاريخ لا يعرفه الإسرائيليون، لأن اعتداءهم بُني على جهل، وسرقتهم للأرض لم تفرق بين تفصيلات التاريخ والجغرافيا، لكن أقسى وأغبى ما يفعله الاحتلال هو قتل الأحلام والأفكار في عقول الأطفال، وبينهم بطل ذلك السرد.. أنا لا أعرفه لكني مؤمن بوجوده إيماني بالقضية، ففي كل وطن مؤمنون به، محبون له، حالمون بالدفاع والزوّد عن أرضه ورفعته.

يحلمون ويحلمون وهم متشبثين بزجاج الشرفة، يتطلعون عبره إلى الأمل، الأمل في التحرير والتحرر، الأمل في استعادة التراب، ودحر المعتدي، والانتقام للأهل، أمل باق لا يفهمه العدو.. ولا يستسيغه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز