أحمد عنتر
حتى واسى عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه، معبرا عن غلبة الرجولة وقوة الإيمان، إذ حرمها من الطعام الذي لا يجده الناس، حتى ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه، ما حاك بعمر، بقوله "تقرقر بطن عمر، وكان يأكل الزيت عام الرمادة، وكان قد حرم على نفسه السمن فنقر بطنه بأصبعه، وقال: قرقر ما شئت أن تقرقر، إنه ليس لك عندنا غير هذا حتى يحيا الناس".
لكن مراد الله أن يمحّص الجيل فيأتي جيل يليه، ليسقط إمبراطوريتي الروم والفرس، مراده أن يربي في المؤمنين القوة ويزيد حماسهم لوطنهم، ويرسخ تشبثهم به وبالدين، فيصنعوا له المجد إيمانا ورفعة، ويسقطون عن كاهله العوّز، وصولا إلى المجد والترفع، فتزداد الأمة عزا، وتلف أبناءها الوحدة والشموخ، فيصير في الأرض لله أحباء، يحققون مراده ويسعون في مرضاته.
وأنا هنا أسوق مجاعة مشتدة، تمتد في شبهها إلى سياق أزمة مصر التي تتأثر بأزمات العالم وتجاريها، حتى أن القيادة السياسية حاكت في مغالبة تلك الأزمة استراتيجية تقشف، تستشفها من روح الأمة، وروحها الوحي، الذي لا يموت ولا ينتهي، إذ تبقى تعاليمه دستورا موجها للعالمين، يواجهون به ملمات الأزمنة وأزمات الأمكنة، مستندين على مبادئ القرآن استنادا لا تنازل عنه، إذ لا غالب على مبادئه وطريقة تحليله وفكره العميق في التنظير لدولة حضارية جديدة تنبعث مرة أخرى لتقود العالم كما كان قبل.
وإن ما حاق بالناس في عام الرمادة، لَيرد على ما يتحدث عنه المغرضون من ربط البلاء بغضب الله، فيزيدون أوجاع الناس وسخطهم، ويؤلبونهم على الحاكم، ويأخذون بيدهم إلى طريق الاستغناء عن السعي، فالانشغال بالنقم فالسقوط فيها سقوطا لا مخرج منه، إذ وقعت الشدة بعد عودة الناس من الحج، فحُبس المطر من السماء وأجدبت الأرض، وهلكت الماشية، واستمرت هذه المجاعة تسعة أشهر، حتى صارت الأرض سوداء فشبهت بالرماد، وكأنما أراد الله بهذا أن يهيئ المؤمنين لاتباع طريق النصر، وبناء الدولة كما يجب أن تكون، قادرة مستنيرة لا تسقط أبدا.
وإن ما أسوقه أيضا في مقالي هذا، أن دقائق المعاناة والابتلاء والحاجة تؤثر إيجابا في روحك وقلبك وعقلك تأثيرا لا غالب عليه، أضعاف ما تفعل سنوات الرخاء والعافية، بل إن السقوط الكبير للأندلس، عام 1492 (897 هجرية)، والذي انتهى معه وجود المسلمين بها، مع سقوط غرناطة، آخر معاقلهم، بتوقيع آخر الملوك أبي عبد الله الصغير معاهدة استسلام مع الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا، لتنتهي بذلك الخلافة الإسلامية في شبه الجزيرة الأيبيرية، إنما جاء وفق المؤرخين، بعد انخراط أهل الأندلس في حروب لا تنتهي بينهم حفاظا على السلطة والجاه، وهي حروب ونزاعات أججها خصوم المسلمين، إلى جانب الانغماس في حياة الترف واللهو، والمبالغة في الإنفاق بدلا من الدفاع عن الأرض التي فتحها أسلافهم.
ابن خلدون يرى، في كتابه "دورة الحضارة"، كما نرى في عرضنا هذا، أن للحضارات أعمارا مثلنا، تبدأ وليدة ثم شابة فتية، حتى إذا ما أسرف أهلها على أنفسهم، شاخت قبل أوانها، واندثرت وذهب ريحها، وإنما ما يعضد جانب حضارتك العريقة، كمصري، ولد على أرض طيبة مباركة، يحفها التاريخ وتلفها الأمجاد، ألا تبتئس فِي الظُروف الصعبة لأنها مصنع الرجال، بينما يدبر لك شؤونك علام الغيوب.