البث المباشر الراديو 9090
أحمد ناجى قمحة
مصر دولة مركزية.. تتمتع ببيروقراطية تاريخية.. وارتبطت حياة المصريين بوادي النيل.. وارتكز النشاط الاقتصادي على الزراعة.. كل ذلك خلق ثقافة للمصريين سياسية واقتصادية واجتماعية متميزة ولها سماتها التي انعكست على شخصية المصريين وسلوكهم.

ووسط تفاعل عوامل كثيرة وصلت الدولة المركزية المصرية للحظة اختبار غاية في الدقة والصعوبة عام 2011.. زاد من تأزيم تداعيات أحداث تلك الفترة غياب قطار التنمية والعمران عن المحافظات الحدودية التي تمثل النقاط الطرفية الرخوة.. تلك النقاط كانت مصدرًا رئيسيًا لتهديد مباشر على الأمن القومي المصري -نتذكر سيناء الغالية، نتذكر محاولات تأليب أهل النوبة لدفعهم للتمرد، نتذكر اقتحام وهدم أساسات مشروع الضبعة النووي وتحطيم كل ما صادف الفوضويين، نتذكر مشروع موبكو في الساحل المصري واقتحام كل المشروعات التنموية على البحر المتوسط-.

ما سبق، لا يدفعني للنظر فقط في الفوائد والمكاسب الاقتصادية من الشراكة الاستثمارية الكبرى بين مصر والإمارات في منطقة رأس الحكمة، ولكن يدفعني إلى؛ النظر في كل المشروعات القومية الكبرى، والتوسع في مساحات المحافظات ومدها أفقيًا، وإنشاء مدن ذكية على أطرافها الجديدة مرتبطة بمشروعات اقتصادية تتناسب وطبيعة الانتاج الاقتصادي للمحافظة، وهذا الربط الاستراتيچي بين كل المحافظات المصرية وفي كل الاتجاهات بأكثر من محور بما خلق شبكة طرق تستوعب التخطيط المستقبلي لمصر 2030 ومصر 2052 والذي يراعي تحقيق أهداف التنمية المستدامة الـ17 التي وضعتها الأمم المتحدة، مع تحديث نظم ووسائل النقل واستقدام آخر ما وصلت إليه تكنولوچيا نظم ووسائل النقل، لكي تضمن الدولة الربط الاستراتيجي في مجال النقل بحرًا ونيلًا وبرًا وجوًا، فالملاحظ أن الدولة أعادت تأهيل موانئها البحرية والجوية لكي تواكب هذه التطورات الهامة، كما لم تبخل الدولة عن تحديث النظم والوسائل القائمة لديها لكي تتواءم مع هذه الطفرات الكبرى الآنية والمستقبلية.

ومصر التي اتجهت بقوة إلى سيناء بكل ما تملكه من قواعد علمية لإدارة عملية التحديث والربط الاستراتيچي مع الوادي بهدف تأمين الأمن القومي المصري في اتجاهه الاستراتيچي الحيوي الشرقي، هي ذاتها التي اتجهت جنوبًا لتأمين الأمن القومي المصري في اتجاهه الاستراتيچي الحيوي الجنوبي بنفس الاقتراب الذي اتجهت به لكل المحافظات مع مراعاة البعد الخاص بمشكلة المصريين قاطني النوبة والذين لم يقترب أحد من مشاكلهم على مدار سنوات مضت.

مصر اليوم، تتجه إلى الغرب لكي تضمن تأمين الأمن القومي المصري في اتجاهه الاستراتيچي الحيوي الغربي، وما شاهدناه اليوم من شراكة مصرية إماراتية كبرى ليس وليد التعاطي مع أزمات اقتصادية عالمية تعصف باقتصاديات جميع الدول، بقدر ما تجني ما تحملته وحدها من جهد لكي تقدم للعالم مدينة العلمين الجديدة، تلك المدينة الساحرة في الساحل الشمالي، والتي شرفها بالزيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من مرة، وأبدى إعجابه بموقعها وما استثمرته مصر فيها لتحويلها لمدينة سياحية نموذجية على البحر الأبيض المتوسط.

مصر لا تستثمر عقاريًا فقط، ولكنها تستثمر بشريًا وتوفر فرص العمل المستقبلية لمواجهة الزيادة المتوقعة في السكان، بما يسمح بالتوزيع السكاني الذي يحقق العدالة السكانية، وهي تستثمر بالشراكة مع الإمارات في قطاع هام يمثل مصدرًا رئيسيًا للدخل ويمكن أن تعتمد عليه مصر في التسويق لعلامتها الوطنية في الجمهورية الجديدة في ظل حرصها على توفير حياة كريمة لكل المصريين.

وفي النهاية، أوجه نظر الجميع إلى أن الاستثمار الأهم يتمثل في تأمين الأمن القومي المصري في اتجاهه ومجاله الحيوي الاستراتيچي الغربي، مصر يا سادة تدير مشروعاتها التنموية وفقًا لخطط استراتيچية تنفذها عبر مجموعة من السياسات التي تمثل اقترابات مهمة لمواجهة تحديات المستقبل الأمنية والاقتصادية وسط إنفراجة في المجال العام عبر الحوار الوطني الذي خلق على الأرض بالفعل الطريق نحو مساحات مشتركة على أرضية من الأهداف الوطنية لتحقيق المصلحة القومية العليا لوطننا الغالي.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز