البث المباشر الراديو 9090
أحمد ناجى قمحة
استهلّ چو بايدن خطاب حالة الاتحاد بالتأكيد على أن الديمقراطية على المحك، متابعًا: إذا كان أي شخص في هذه القاعة يعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيتوقف عند أوكرانيا، فأنا أؤكد لكم أنه لن يفعل ذلك.

 ووصف بايدن الوقت الحالي بأنه "لحظة غير مسبوقة" في أمريكا، وقارن بين خطابه يوم الخميس وخطاب الرئيس السابق فرانكلين ديلانو روزفلت في عام 1941، مباشرة قبل دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية.

وأوضح أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة، فإن ذلك سيعرض أوكرانيا للخطر، وأوروبا في خطر، والعالم الحر سيكون في خطر، مرددًا: "لن ننحني.. لن ننحني.. لن ننسحب".

وفي ذلك دشن سباقه الانتخابي الشرس مع دونالد ترامب عندما ذكر بأن: "الآن، يقول سلفي، وهو رئيس جمهوري سابق، لبوتين: افعل ما تريد بحق الجحيم"، موضحًا "أن هذه الأفكار ما هي إلا اقتباس من نفس توجه الجمهوريين في التعامل مع روسيا، مذكرًا بحديث ريجان مع جورباتشوف".

وختم هجومه بأن "الآن سلفي السابق من الواضح أنه لا يخجل من علاقته بروسيا، ولا مانع لديه من الانحناء للزعيم الروسي الذي يدعمه، أعتقد أنه أمر شائن وخطير وغير مقبول".

وختمه بأنه يعمل دون توقف من أجل التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، موضحا أن المساعدات الإنسانية لغزة لا يمكن أن تكون مجرد اعتبار ثانوي أو ورقة مساومة، مضيفًا بأن لإسرائيل الحق في القضاء على حماس، إذ قال: حماس تنظيم إرهابي شن هجوما في السابع من أكتوبر شهد عمليات قتل واعتداءات لم يعرفها اليهود منذ النازية.

وتابع: سنعمل على تحقيق وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن وتخفيف المعاناة الإنسانية في غزة، وسنعمل على تقديم مساعدات لغزة عبر البحر دون أي وجود أميركي على الأرض، وعلى إسرائيل السماح بدخول المساعدات إلى غزة، وأعطيت الأوامر بإنشاء ميناء مؤقت لإيصال المساعدات للقطاع، مشيرًا إلى أن حل الدولتين هو الخيار الأمثل لحل هذا النزاع.

هذه هي الرسائل الرئيسية التي وردت في خطاب حالة الإتحاد مشيدًا فيه بنجاحات لا يراها غيره في التعامل مع أهم الاشكاليات والتحديات التي تواجه أمريكا، فهو يرى أن الاقتصاد الأمريكي وفقًا لمؤشرات لا يعرفها إلا بايدن في أفضل حالٍ منذ خمسين عامًا، وهو يرى أنه نجح في إدارة إشكالية أزمة الحدود الأمريكية، تمامًا كما نجح في تحييد الصين واحتواءها.

أوهامًا يعيشها بايدن تكرس انعزاله وعدم قدرته على قراءة الواقع الدولي والإقليمي من حوله، وهو في ذلك قدم خطابًا عاطفيًا في المقام الأول لاستثارة العاطفة الوطنية، ولكن جاء ذلك على حساب ما هو متوقع منه، حيث جاء الخطاب انتخابيًا ويتبنى وجهة نظر بايدن وفريق عمله الخاص من الديمقراطيين، بما يكرس الخلافات بين الحزبين، ويبتعد كثيرًا عما كان يحدثه خطاب حالة الإتحاد من توافق بين الحزبين على قضايا داخلية وإقليمية ودولية، يتم دعمها بالعمل السياسي المشترك على الأرض.

تغافل بايدن عما سببته سياساته الخارجية من خلافات حتى مع أقرب حلفاءه، ناهيك عن إنهاكه أوروبا والعالم بسياسات تميزت بالكيل بمكيالين، وانعدام الديمقراطية، والرغبة في فرض الإرادة الأمريكية على ما عداها من إرادات لدول ذات تاريخ حضاري وثقافات لها سمتها الخاص مجتمعيًا وإنسانيًا.

بايدن لم يلتفت أن سياساته وقراراته تسببت في الاشكاليات الحدودية للولايات المتحدة الأمريكية، كما لم ينتبه أن اقتصاده الذي تباهى به يمر بأكبر أزمات التضخم وارتفاع سعر الفائدة، بما انعكس سلبًا على الداخل الأمريكي الذي يعاني فيه المواطن الأمريكي من ارتفاعات غير مسبوقة في الأسعار، وكذا كانت له ارتداداته على الاقتصاد الدولي الذي يتأثر بالاقتصاد الأمريكي بحكم الارتباط بالدولار الأمريكي. بايدن لم يلتفت أو يطرح سياسات وحلولًا تمكن أمريكا والعالم من مجابهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لسياسات الغطرسة الأمريكية في التعامل مع الداخل والخارج.

وكان من الواضح أن بايدن استغل خطاب حالة الإتحاد لتدشين السباق الرئاسي بما سيشعل الشارع السياسي الأمريكي في الداخل بعد كل هذا الهجوم الحزبي غير المسبوق من رئيس أمريكي في هذا الخطاب السنوي، مستغلًا مكانه الحالي في الهجوم على رموز وسياسات الجمهوريين نصًا وتورية، حيث حول الخطاب لمنصة حزبية تعمق من الخلافات مع الحزب الجمهوري وأنصاره، ويبدو أنه لم يتعلم من درس الانتخابات السابقة، بل وظف نظرية المؤامرة وربط ما شهدته الانتخابات الرئاسية الأخيرة من أحداث بتدخل روسي بترحيب من ترامب، ولم يتفهم أن الديمقراطية الأمريكية باتت على المحك منذ أن طبق الإمبريالية الزرقاء البغيضة بحجب مواقع التواصل الاجتماعي كافة، والتي كان معظمها حينها بعلامة زرقاء، عن ترامب وأنصاره الكبار.

ثم نأتي للآخر في فكر بايدن، فلدى الديمقراطيين القدرة على تفعيل نظرية المؤامرة لشيطنة الآخر، ونفيها عن الآخر إن هو حاول تطبيقها على سياسات الولايات المتحدة.

فبايدن ذهب لشيطنة بوتين وروسيا، كما أشار إلى إن بوتين لن يتوقف، بايدن في ذلك يحاول تجميع المخاوف في الداخل الأمريكي والأوروبي والعالمي، ولكنه لم يأت بجديد.

إذ سبق لي أن طرحت أن الصراع الروسي-الأمريكي هو صراع بين إرادات وليس صراع حضارات، وأن العالم منذ أزمة كورونا والتي تلتها الحرب الروسية-الأوكرانية ولحقت بهما تداعيات القضية الفلسطينية نتيجة أحداث 7 أكتوبر الماضي قد دخل في وطأة حربًا باردة جديدة، وأن العالم في مرحلة تحضير لصراع كبير قد يصل لحرب عالمية ثالثة، ما لم تنتبه قوى الخير لما يخطط له أهل الشر، بايدن يرى في الولايات المتحدة حامي حمى المستضعفين، ولذا هو فتح الخزائن الأمريكية المالية والعسكرية لدعم أوكرانيا لمواجهة عدو جديد قديم، فالولايات المتحدة لا يمكنها البقاء موحدة دون تهديد وجودي من عدو، وهي تبحث عنه لو كان موجودًا لتفجر الصراع معه، أو هي تخلقه وتستدعيه من العدم، لكي تبرر سياساتها التدخلية والتوسعية، رافعة رايات الديمقراطية وحقوق الإنسان من المنظور الأمريكي البحت.

ولعل ذلك، ما يفسر الدعم الأمريكي اللامحدود للكيان المحتل، فهذا الكيان الذي يرتبط بعلاقات استراتيجية هي الأقوى والأكثر فاعلية مع الولايات المتحدة، يساهم في كل أزمة تندلع في الإقليم في تشويه صورة الولايات المتحدة ويمزق من علاقتها مع شركاء استراتيچيين أهم في المنطقة العربية، بما يساهم في تعميق كراهية الشعوب العربية للولايات المتحدة، وتظل الولايات المتحدة تسأل لماذا يكرهوننا؟

لعل القضية الفلسطينية هي الأهم والأبرز في تعميق مشاعر الكراهية، وبقدر ما تتعمق هذه المشاعر بقدر ما تستغلها التنظيمات المتطرفة للتجنيد العاطفي للمزيد من الشباب المنساق خلف عقيدته، فأجيال وراء أجيال ترى هذا الانحياز الأمريكي السافر لحماية الكيان المحتل، وهي نفس الأجيال التي رأت كيف جيّشت أمريكا العالم لفرض نظام عالمي جديد يسمح للولايات المتحدة أن تمارس دور الشرطي الوحيد في العالم، وهي نفسها التي ترى الولايات المتحدة تصنع وتصيغ القرارات في مجلس الأمن بل وتتحرك دونها كثيرًا لصون وحماية المصالح الأمريكية وتفرض في ذلك قيمًا ونظمًا حسب مصلحتها، وهي نفسها التي ترى الآن الكيل بمكيالين في التعامل مع أوكرانيا وفلسطين.

فشتان الفارق بين السياسات الأمريكية تجاه أزمة الدولة الأوكرانية والقضية الفلسطينية سواء على مستوى الدعم، أو على مستوى استخدام حق الڤيتو، أو مستوى تطويع مواد القانون الدولي لحماية مصالح الولايات المتحدة وحلفاءها، أو على مستوى تطبيق وتنفيذ قرارات مجلس الأمن التي صدرت وتشتمل على حلول هي الأوقع والأقرب لتسوية القضية الفلسطينية على مدار تاريخها منذ 1948 وحتى الآن وعلى رأسها القرارين 242 و338.

سيد بايدن، العالم والشعب الفلسطيني بحاجة إلى أنسنة تفاعل السياسات الخارجية والعمليات العسكرية -سلمًا وحربًا- وتوافقها مع القواعد الأخلاقية للقانون الدولي، العالم والشعب الفلسطيني بحاجة إلى التطبيق العادل لقواعد القانون الدولي وما أقره مجلس الأمن في شأن تسوية النزاعات والحروب، العالم والشعب الفلسطيني بحاجة إلى صوت العقل العادل الرشيد الذي يدير الأزمات العالمية ويفككها منعًا لاستغلالها من الفواعل من غير الدول للتجنيد العاطفي المتطرف، تمامًا كما نحن جميعًا بحاجة لوأد فتيل الأزمات التي تدور في رحى الحرب الباردة الجديدة قبل لحظة الإنفجار، أما الشأن الأمريكي الداخلي فهو أمر داخلي لا علاقة لنا أو أي دولة رشيدة به فنحن دول الشرق لا نتدخل في شؤون الدول الأخرى، ولكننا نرى ونتابع ونترقب وندعو للجميع بالهداية قبل أن نصل جميعًا بفضل سياساتكم لمحك التصادم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز