البث المباشر الراديو 9090
أحمد سامي
ولدت الشركة المتحدة كبيرة فقد قُدّر لها ذلك.. الآمال منعقدة عليها والجميع ينتظر منها الكثير، البوصلة كانت تائهة والسفينة كانت تحتاج إلى ربان ماهر يعيد تلك البوصلة إلى وجهتها، وتعود معها مصر إلى الريادة الفنية.

منذ سنوات، كان أبرز ما يشغل بال معظم البيوت المصرية، تلك الدراما القادمة من دول أخرى: الكورية والهندية والتركية، وأكاد أجزم أنه لم يخل بيت من مشاهدة تلك الدراما، لما قدمته من سحر في الحبكة وروعة في الديكور وعمق في القصة وبراعة في التصوير، وكنا دائما نردد: أين الدراما المصرية؟ أين مصر من الغزو الدرامي الذي احتل البيوت وسيطر على عقول أصحابها كبيرها وصغيرها، شبابها وفتاتها؟ إلى حد وصلنا فيه إلى أن يقلد بعض من أصحاب تلك البيوت أبطال تلك الدراما ويبحثون على مواقع التواصل الاجتماعي في عاداتهم وتقاليدهم وهو أمر طبيعي أن يصبح المتابع رهن المتبوع، الذي يراه أمامه في كل تفاصيل حياته، فهو البطل الذي استطاع أن يجذبه بمشهد أو جملة أو ثياب مهندم أو قصة شعر.

لا أبالغ إن قلت إننا كنا في حالة سبات تام من المسؤولين عن قوة مصر الناعمة التي كادت أن تتلاشى وتندثر وسط الإهمال، ولكنها مصر التي أبت على مر الزمان أن تستسلم أو تخنع لأي صورة من صور الغزو: العسكري أو الأدبي أو الفني أو الرياضي، فهي رائدة منذ أن ولدت وقدر لها دائما أن تكون رائدة في محيطها.

كانت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي ولدت كبيرة، سباقة في الأخذ بزمام الأمور لترفع شعلة التغيير، لإزالة الصدأ الذي كاد أن يغطي المجتمع الدرامي المصري، وحمل مشرط الطبيب لعلاج الجرح الغائر الذي أصبح يتغلغل في الوسط، ولو انتظرنا لاستدعى البتر، فكانت ماهرة في تشخيص المرض ومعرفة سبب الداء وكانت أمهر في تجهيز الدواء.

مصر كانت رائدة الفن ودائما.. جملة عظيمة وضعتها الشركة والقائمون عليها نصب أعينهم، ومن ثم أعدوا العدة ووضعوا الخطة منذ اليوم الأول لتحقيق تلك الجملة، وقدموا المئات من الأعمال الدرامية المتنوعة التي شكلت كنزا ثمينا وضعته في كل بيت ومن البيوت التي سيطر عليها الغزو الدرامي، ومعه بدأ المواطن يعيد التفكير رويدا رويدا، وينفض الركام الذي غطاه بدراما لا تشبهه فلا هي تشبه عاداته ولا تقاليده ولا هي المتفردة منقطعة النظير الذي لا يجد مثلها.

قدمت الشركة أعمالا فنية احترمت العقول بمختلف أنواعها: التاريخية والدينية والأدبية والعسكرية والكوميدية، ولم تكتف بل امتدت إلى تقديم كارتون يناسب الأطفال، الذين يستحقون مادة تواكب ذلك التقدم في الدول المحيطة، الصديقة منها وغير الصديقة، حسنة النوايا منها والخبيثة.

تلك الأعمال كانت دائما محور اهتمام المصريين فقد صححت لهم الصورة الغلوطة عن بلدهم والتشوهات التي أحدثها الأعداء في الداخل والخارج، فقدمت مسلسل "الاختيار" بأجزائه الثلاثة، ومسلسل "كلبش" وفيلم "الممر"، التي سردت أدق التفاصيل في أحلك الظروف التي مرت بها مصر، ووجدت مكانا لها على موائد البيوت المصرية، وآذانا صاغية لفهم طبيعة ما حدث.

كما قدمت الديني منها لتجسيد عظماء التاريخ فقدمت "الإمام الشافعي" الذي مثل نقطة تحول في الأعمال الدينية المصرية، امتد صداه إلى خارج مصر، وحظي بإشادة كبيرة، فقد سرد سيرة عطرة لواحد من أعظم رموز الإسلام وهو الإمام الشافعي "رحمة الله"، في تجسيد أكثر من رائع قدمه الفنان خالد النبوي، وسط كوكبة من ألمع النجوم، فكان عملا استحق أفضل الجوائز.

ودائما ما تبهرنا الشركة في كل موسم رمضاني، وحسنا فعلت أن وحدت المصريين على متابعة قنواتها ليحصلوا على حظهم من ذلك الكنز "الدراما المنشودة"، التي بلغت ذروتها بتلك الأعمال المعروضة في دراما رمضان 2024، وعلى رأس تلك الدراما حبة الكريز مسلسل "الحشاشين" التاريخي، ولا أبالغ إن وصفته بأعظم الأعمال الدرامية ليس في مصر، ولكن في المنطقة العربية، فهو بحق منقطع النظير في فكرته وإخراجه وتصويره وديكوراته وحبكته.

"الحشاشين" ليس مسلسلا كغيره، هو تجسيد لحالة النضج الفني المصري وللعبقرية التي يدير بها القائمون على الدراما المصرية المشهد، ونتيجة طبيبعة للعظمة التي تقدمها الشركة المتحدة، لإسعاد المصريين، وللمهارة التي أصبحت بيد وعقل القائمون على تلك الشركة، المسلسل أفضل دواء لحالة المجتمع الفني التي كما قلت كادت أن تندثر.

منذ أول تريلر للمسلسل أزاحت عنه منصات الشركة المتحدة الستار، وجد المصريون ضالتهم، وانهالت التعليقات التي تشيد بأول إنتاج فني يليق بحجم دولة مثل مصر، بعد فترة من الجمود والتراجع أمام أعمال ظنت أنها قادرة على فرض سيطرتها على البيوت المصرية، ووصفوا العمل بعدما شاهدوا التصوير والأحداث المعروضة في البوموهات التشويقية بأنه عالمي بأياد مصرية.

واكتمل ذلك الرأي بعدما شاهد الجمهور أولى حلقات "الحشاشين" أمس، فتكونت لديهم باقي الصورة الذهنية التي أخذوها عن المسلسل قبل أن يعرض، فقد حجز مكانه لديهم واحتل مقدمة اهتماماتهم الفنية في رمضان، جودة في التصوير، عبقرية في التمثيل، روعة في السرد، ستتجلى تلك العظمة في باقي الحلقات.

ولم يكن مسلسل الحشاشين وحده، قمة إبداعات الشركة، التي لن تتوقف عند هذا الحد، وستمتد لسنوات وسنوات من الإبهارـ فقد كان مسلسل "جودر" أيضا قمة في الخيال العلمي واستخدام الذكاء الاصطناعي، وظهر ذلك في البرومو التشويقي للمسلسل، بطولة الفنان ياسر جلال، فهو المسلسل الذي ينتظر المصريون عرضه في النصف الثاني من شهر رمضان، من 15 حلقة، يسرد فيها القائمون عليه حكايات من الليلة 608 من "ألف ليلة وليلة" حتى الليلة 633، تعرض في قالب تخيلي مدعوما بالذكاء الاصطناعي لأول مرة في مصر والمنطقة العربية، أن يعرض مسلسل بهذا الإنتاج الضخم الذي يستخدم التكنولوجيا الحديثة.

ولم تنس الشركة النشء، فقدمت مسلسل "يحيى وكنوز" ومسلسل "نورة"، و"سر المسجد" على طريقة مسلسلات محفورة في وجداننا مثل مسلسل "بكار" ومسلسل "المغامرون الخمسة"، فهي تعلم أهمية زرع الهوية والانتماء في عقول النشء حتى لا يقعوا فريسة لأعمال تضرب المجتمع في مقتل.

وكان مسلسل "الكبير أوي 8" حاضرا بقوة في دراما رمضان 2024، بعد النجاحات الكبيرة التي حققها في أجزائه السابقة، وكان هدية من الشركة للبيوت المصرية، في وجبة من الضحك والتسلية يقدمها أفضل فناني الكوميديا في مصر.

وليس كل ما ذكرت هو مجمل الأعمال التي تقدمها الشركة المتحدة، فالشركة تدخل سباق رمضان 2024 بقوة من خلال 20 مسلسلا مقسمين إلى 9 مسلسلات من نوعية 30 حلقة، و11 مسلسلا من نوعية 15 حلقة، على قنواتها ومنصة"watch it" أبرزها: "صدفة"، بطولة الفنانة ريهام حجاج، و"المعلم" بطولة الفنان مصطفى شعبان، و"حق عرب" بطولة الفنان أحمد العوضي، و"بيت الرفاعي" بطولة أمير كرارة، و"سر إلهي" بطولة الفنانة روجينا، و"عتبات البهجة" بطولة الفنان الكبير يحيى الفخراني، و"إمبراطورية ميم" بطولة خالد النبوي، و"محارب" بطولة حسن الرداد، و"صيد العقارب" بطولة غادة عبدالرازق، و"فراولة" بطولة نيللي كريم.

أعمال كثيرة ومتفردة، لابد أن تتلمس فيها عبقرية في العرض وإنتاجا يليق بمحتوى يطرأ عقل المشاهد ووجدانه، استحقت أن تجد أثرا فيه، الأفلام والمسلات المعروضة مختلفة والمحتوى ليس نمطيا أو متكررا مستهلكا، والجمهور المستهدف متنوع، فكانت الشركة المتحدة أفضل من يتصدر المشهد، فقدرها أن تكون كبيرة لأنها في دولة كبيرة وأمام جمهور كبير.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز