البث المباشر الراديو 9090
أحمد سامي
إذا أردنا الحديث عن الجهود المصرية لدعم القضية الفلسطينية، فسنحتاج إلى مئات المجلدات حتى نحصر ما قدمته وما زالت للقضية، التي تعتبر أولوية للدولة المصرية على مدار التاريخ منذ بدء الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي عام 1948.

الجهود المصرية التي بذلتها وتبذلها القاهرة، ليست تفضلا ولا منة، فمصر دولة كبيرة وقدرها أن تكون المعين لأشقائها وقت الأزمات، والداعم الأكبر لأي دولة تلجأ لها، سياسيا ودبلوماسيا وإنسانيا واقتصاديا، والدعم المصري للأشقاء الفلسطينيين الذي لم ولن ينقطع، ليس ببعيد.

وبرزت قوة الدور المصري مؤخرا في دعم القضية الفلسطينية، وتحديدا دعم الأشقاء في قطاع غزة، فور بدء حرب الإبادة الجماعية التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على القطاع، على خلفية هجوم المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023، على مناطق غلاف غزة الواقعة تحت سيطرة دولة الاحتلال الإسرائيلي.

فسارعت القاهرة للدعوة إلى وقف إطلاق النار، وتغليب لغة الحوار بين الأطراف المتقاتلة لحماية المدنيين، وحشدت الرأي العام العالمي لرفض الممارسات الإسرائيلية المجرمة بحق الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وسياسة العقاب الجماعي والتجويع والتهجير القسري، وبدأت ذلك بعقد مؤتمر القاهرة للسلام، الذي حضره زعماء وقادة العالم، ودعمت الدعوى القضائية التي تقدمت بها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.

ولم تكتف بهذا، بل استضافت رؤساء الدول والحكومات والمنظمات الدولية، وعلى رأسهم رئيس وزراء إسبانيا وأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو جوتيرش، وأطلعتهم على جهودها لوقف إطلاق النار، وكشفت لهم عن كذب دعاوى تل أبيب بأن القاهرة تغلق معبر رفح أمام دخول المساعدات الإنسانية، فنظمت لهم الزيارات إلى مطار العريش الذي خصصته لاستقبال المساعدات الإنسانية والإغاثية من الدول التي ترغب في المساعدة، وإلى معبر رفح من الجانب المصري للتأكد من أنها لم تغلقه يوما منذ بدء العدوان كما يدعي الاحتلال.

وكان للقاهرة النصيب الأكبر في حجم المساعدات الإنسانية والإغاثية التي قدمتها إلى القطاع وقد بلغ إجمالي ما قدمته حتى الآن 85٪ من حجم المساعدات التي دخلت إلى القطاع، وهذا ليس تفضلا كما ذكرت أو منة، ولكنه عن طيب خاطر من الدولة المصرية قيادة وشعبا، فضلا عن استقبالها الجرحى والمصابين.

الدور الذي تمارسه القاهرة سواء على صعيد الدعم للأبرياء العزل في القطاع أو على صعيد التوسط بين الأطراف للوصول إلى هدنة ووقف لتلك الحرب التي يخسر فيها الجميع، أزعج الكيان المحتل، الذي تربى على حب الدماء وقتل الأبرياء وتغليب لغة العنف والإجرام على إعمال العقل، فهذا ديدنه الذي عرف به منذ قدم التاريخ «قوم بهت لا عهد لهم ولا ميثاق، ذوو قلوب قاسية غليظة».

العالم أجمع أشاد بالمقترح المصري الأخير لتحقيق التهدئة في القطاع، والتوصل إلى هدنة ووقف للحرب وإطلاق سراح المعتقلين الإسرائيليين الذين تأثرهم المقاومة الفلسطينية، تلك الإشادة التي خرجت من أفواه قيادات في تل أبيب من الحكومة وخارجها، ومن أفواه الإدارة الأمريكية والمتمثلة في موافقة رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية على المقترح المصري، وكذلك قيادات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس، وما إن وافقت المقاومة إلا وجن جنون قيادات الاحتلال، ولم لا؟ فهم لا يريدون وقف الحرب ولا السلام، وفوجئوا بموافقة المقاومة الأمر الذي أربك حساباتهم وأظهر خبثهم أمام العالم الذي بدأ يلفظهم شعبيا وسياسيا.

ومنذ ذلك الحين كثفت تل أبيب في حملات تشويه الدور المصري على لسان قياداتها تارة وتارة أخرى عبر تصريحات من مصادر مجهولة لوكالات أنباء ووسائل إعلام عالمية، وأخرها مقال مجهول المصدر في «CCN» الأمريكية يدعي كاتبه أن القاهرة حرفت بنود الاتفاق، وأنها المسؤولة عن عدم دخول المساعدات، وغيرها من الأكاذيب المفضوحة التي لن تنطلي على الصغير قبل الكبير، في محاولة لتحييد الدور المصري عن الوساطة، مثلما فعلوا مع الدور القطري.

الحملات الإسرائيلية المفضوحة لن تجد لها صدى ولن ترهب مصر أبدا، فالجميع يعلم أن تل أبيب تحاول التنصل من الخيبة التي منيت بها أجهزتها الاستخباراتية في هجوم السابع من أكتوبر، وتحاول تصدير صورة أن المقاومة لم تنفذه بمفردها وإنما بمساعدة دول إقليمية، كما تحاول صرف النظر عن الأوضاع المأساوية الكارثية في القطاع الذي يعيش مجاعة غير مسبوقة وتوقف كامل للخدمات الصحية، وانتشار الجثث والمصابين في المنازل المهدمة بفعل القصف وفي الطرقات، وعن حجم الضحايا الكارثي الذي وصل إلى أكثر من ٣٥ ألف شهيد وأكثر من ٧٠ ألف مصاب.

القاهرة بدورها لم تقف مكتوفة أمام تلك الحملات، فقد أطلعت وسائل الإعلام الدولية على حقيقة ما يحدث، وعلى كذب الادعاءات الإسرائيلية، وحذرت صراحة بأنها ستنسحب من الوساطة إذا واصلت حكومة الاحتلال نهجها في ذلك، وهو تحذير ليس بالهين من دولة بحجم مصر.

وأقولها صراحة لا تختبروا مصر، فقد جربتم غضبها في نصر أكتوبر ١٩٧٣، وما زال أثر التجربة باقيا حتى الآن، ڤإن لها جيش قوي قادر على تحقيق المعجزات، مدجج بأحدث الأسلحة والعتاد ما لا تقووا على تحمله، ولها قيادة رشيدة حكيمة وصارمة تعرف جيدا متى تتعامل باللين والدبلوماسية، ومتى تتعامل بالقوة لفرض السلام.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز