البث المباشر الراديو 9090
أحمد سامي
بلا شك لا يوجد أي وصف للحزن الذي يعصر قلوبنا بسبب عدد الشهداء الكبير في صفوف الأبرياء من الأشقاء الفلسطينيين في قطاع غزة، نتيجة حرب الإبادة الجماعية التي يشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر، ووصل إلى أكثر من 35 ألف شهيد، وأكثر من 70 ألف مصاب، منهم أكثر من 15 ألف طفل شهيد، ولا يوجد ما يشفي صدورنا في ذلك، ولكن السطور التالية تحاول رصد الخسائر التي مني بها الاحتلال وما زال في قطاع غزة، لتأكيد الألم الذي يشعرون به أيضًا، لا أحد يُعرها اهتماما بسبب كمية المذابح التي ترتكب في حق الأبرياء المدنيين في القطاع.

منذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية لإبادة القطاع، وتهجير سكانه بدعوى «الدفاع عن النفس»، التي ينسجها الكيان المحتل ليل نهار لتبرير جرائمه في القطاع، وقاربت على نهاية الشهر السابع، على خلفية هجوم المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر، على مناطق غلاف غزة المحتلة، والأضواء مسلطة على ما يحدث في القطاع، من خسائر اقتصادية وبشرية وبنية تحتية، أدمت القلوب لهولها، وأنستنا أن الكيان المحتل يألم أيضًا ويتكبد الخسائر تلو الخسائر، في قواته وأسلحته وبنيته التحتية وفي اقتصاده.

خسائر الاقتصاد

الخسائر الباهظة التي تكبدها اقتصاد الكيان المحتل على خلفية الحرب، أظهرها العجز في الاحتياطي الأجنبي بنحو 5.6 مليارات دولار، بشكل مبدئي فقط بعد 7 أشهر من بدء العملية العسكرية، بحسب أعلنه البنك المركزي للاحتلال، من تراجع الاحتياطي الأجنبي، بنهاية أبريل المنصرم إلى 5.63 مليارات دولار، ليصل إلى 208 مليارات، وكذلك تراجع الاحتياطيات بنحو 41% من الناتج المحلي الإجمالي.

وهي خسائر كبيرة بلا شك ستحدث هزة كبيرة في الاقتصاد، الأمر الذي يحاول الكيان تفاديه بفرض ضرائب ورسوم لتغطية العجز المتوقع وصوله لـ8 مليارات دولار خلال 2024، فضلا عن تخطيطه للاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية، الداعم الأكبر للكيان في حربه، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، للحصول على تمويلات ميسرة لتغطية العجز.

وليس تراجع الاحتياطي وحده فقط الخسائر التي مني بها اقتصاد الكيان، فقد كشفت وزارة مالية الاحتلال، عن استدانة الكيان 43 مليار دولار في 2023، بسبب الحرب، وامتدت تلك الاستدانة إلى عام 2024، فقد جمعت تل أبيب نحو 8 مليارات دولار، جراء بيع سندات دولية منذ أكتوبر حتى أبريل الجاري، وسط توقعات بأن يكون عام 2025 ضائعا اقتصاديا في ظل ارتفاع عجز الموازنة، وبالتالي خفض التصنيف الائتماني للكيان المحتل.

كلفة الحرب

جميعنا يعلم أن أي حرب لها أضرار اقتصادية كبيرة، لا تتحملها أقوى الاقتصاديات في العالم وأعتاها، فقد بلغت التكلفة اليومية للعملية العسكرية في القطاع، بحسب بيانات وزارة أمن الاحتلال، منذ السابع من أكتوبر حتى نهاية ديسمبر 2023، مليار شيكل ما يعادل 270 مليون دولار في اليوم، وبدأت تنخفض بداية العام الجاري إلى 350 مليون شيكل، ما يعادل 94 مليون دولار في اليوم، وهي أرقام كبيرة أيضًا تضاف إلى العجر الكبير في الموازنة، وسط توقعات بأن تصل الخسائر الناجمة عن الأثر المالي للحرب إلى 255 مليار شيكل ما يعادل 68.4 مليار دولار، ما بين 2023 و2025، تزامنا مع ما أعلنته وكالة بلومبيرج الأمريكية من ارتفاع الإنفاق العسكري للاحتلال بـ36% عام 2024.

خسائر البنية التحتية

وأرى أن أكبر خسائر الاحتلال من تلك الحرب يتمثل في استهداف البنية التحتية لمستوطنات غلاف غزة المحتلة بفعل صواريخ المقاومة، ومستوطنات الشمال على الحدود اللبنانية، بفعل صواريخ المقاومة في الشمال، ما نجم عنها تهجير المواطنين، الأمر الذي يكلف الاحتلال المليارات لتوفير المسكن والمأكل لهم، سواء في استضافتهم في الفنادق أو إقامة خيام لهم، ووصل عددهم إلى 250 ألف إسرائيلي، وكلف الاحتلال 6.4 مليارات شيكل ما يعادل 1.8 مليار دولار، بحسب بيانات وزارة الرفاه والسياحة للكيان المحتل.

ولاستمرار الحرب حتى شهرها السابع، جندت حكومة الاحتلال مئات الآلاف من جنود الاحتياط، وأجلت مئات الآلاف من الإسرائيليين من منازلهم وعطلت العمل بالمدارس والجامعات، والمرافق الاقتصادية.

الخسائر العسكرية

ويوما تلو الآخر، تفقد قوات الاحتلال عشرات الجنود والضباط من عناصرها أمام مقاتلي المقاومة في قطاع غزة، وهو ما تؤكده بيانات المقاومة وفيديوهاتها التي تنشرها بشكل شبه يومي، لعمليات القنص وتفجير الدبابات والمدرعات والجرافات والمباني التي تحوي الجنود، وهو ما تنفيه وزارة جيش الاحتلال وتحجم الأرقام المعلنة وهو أمر طبيعي للحفاظ على الروح المعنوية للجنود وعلى تماسك المجتمع الإسرائيلي وأسر الجنود.

وزارة جيش الاحتلال أعلنت في بيان رسمي أن عدد قتلاها منذ السابع من أكتوبر، بلغ 556، بينهم 221 قتلوا في العملية البرية، داخل غزة التي بدأت أواخر أكتوبر، وهو رقم هزيل جدا ولا يتواكب مع حجم الاستهدافات شبه اليومية، إذا قلنا إن متوسط حمولة دبابة واحد من دبابات الاحتلال من 8 إلى 10 أفراد، وقد استهدفت المقاومة أكثر من 100 دبابة، فضلا عن تفجير المباني التي تحوي الجنود والضباط، والجنود الذين استدرجتهم المقاومة إلى الأنفاق، وغيرهم من الجنود الذي قضوا بالقصف الخاطئ من الاحتلال بعد الاشتباه في أنهم من المقاومة، وغيرهم وغيرهم من العشرات.

وأود الإشارة إلى أن هناك عقيدة لدى الاحتلال بأن ما تحصيه من قتلاها فقط يكون من الجنود الإسرائيليين، ولا تحصي القتلى والمصابين من الجنود المرتزقة، والجنود الذين يحملون جنسيات دول أخرى من الهند وفرنسا وإيطاليا وأمريكا وألمانيا، وهم جنود كشفت دولهم عن مشاركتهم في الحرب على القطاع، وطالبت أحزاب داخلية مناهضة للحرب بسحب جنسيتهم كما حدث في فرنسا.

إن الحرب مصاب جلل إذا حلت بأي دولة، خسائرها دائما أكبر بكثير من انتصاراتها، وهي دائما ما تؤكد عليه الدول التي تتمتع بحكمة القوة، وتعلي شعار الحلول الدبلوماسية والجلوس إلى طاولة المفاوضات، ومنها مصر التي تأكد صدق سعيها إلى تغليب لغة الحوار وعدم الانسياق إلى شهوة الحرب والقتل والانغماس في برك الدماء التي ستطال الجميع.

وأعيد التأكيد على أن أي خسائر في صفوف الاحتلال، لن تشفي غليل صدورنا، ولن تجلي حزننا على أكثر من 35 ألف شهيد وأكثر من 70 ألف مصاب في صفوف المدنيين العزل الأبرياء في قطاع غزة، فهم في مكانة أفضل الآن، كما وعدنا رب العالمين، ولكن وددت الإشارة إلى خسائر الاحتلال التي يستميت في إخفائها، انطلاقا من كبرياء فارغ وعنجهية الجاهلية، التي عرف بها، والتي وإن طالت ستكون بداية نهايته.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز