أحمد محمود
وتداول النشطاء صورًا لأشجار معمرة من نوع "الكافور" مقطوعة على أنها في حي العجوزة، وأخرى في مناطق مختلفة من مصر.
جاء الرد من الحكومة من خلال تصريحات محمد معتمد، مساعد وزير البيئة، إنه تم زراعة 12 مليونا و400 الف شجرة خلال العامين الماضيين ضمن المبادرة الرئاسية التي تحمل عنوان "100 مليون شجرة" مع الإشارة إلى أنه في بعض الأحيان يحدث تقاطع بين مشروعات التنمية وأماكن أشجار موجودة في الشوارع والمحاور المرورية حيث يتطلب الأمر التدخل لإزالة هذه الأشجار.
والحقيقة أن هذا الأمر ذكرني بواقعة مررت بها شخصيًا بعد أن انتقلت للسكن بمدينة الشيخ زايد عام 2004، التقيت رئيس جهاز المدينة آنذاك وعلى ما أذكر كان المهندس عبد المطلب عمارة، والذي كان يشغل مؤخرًا منصب نائب رئيس هيئة المجتمعات العمرانية للتنمية العمرانية، التقيته لاستفسر عن سبب قيام جهاز المدينة بإزالة بعض المسطحات الخضراء حول بعض المساكن وتحويلها إلى أرض خرسانية.
استدعى المهندس عبد المطلب عمارة مسئول التنمية الزراعية بالمدينة ويدعى المهندس "بهاء" لتفسير الأمر، والذي شرح لي أن ذلك يحدث بسبب أن مياه الري بالغمر تتسبب في إتلاف "اللاندسكيب" الحجري بعد أن تتجمع المياه حولة فينهار، ومع أنني لم أقتنع بذلك السبب خصوصًا وأنني حين سألته ولماذا تستخدمون الري بالغمر، وهناك تقنيات حديثه للري بالرش أو التنقيط؟ أجاب أنهم بالفعل وضعوا شبكة للري بالرش والتنقيط لكنها سُرقت.
سألته ولماذا تزرعون أشجار تحتاج إلى معدلات ري كبيرة، ولماذا لا تستبدلون أشجار "السرو البلدي" المزروعة على الأرصفة وهي مخروطية الشكل ولا توفر ظل للمارة ولا للسيارات المصفوفة على جانب الطريق، كما أنها شرهة للمياه وتتجول جذورها في أساسات التربة مخربة إياها، بأخرى مظلية أكثر لتقليل حرارة الشمس؟ أجاب بحماس: مستحيل، لا يمكننا ذلك.
سألته هل هناك أسباب بيئية تضطركم لزراعة هذا النوع؟ أجاب المهندس بهاء بحماس، لا توجد أسباب بيئية، ولكنه لا يمكنه تغيير نوع الشجر ما دام مدرجًا في الرسم الهندسي للأحياء، حتى ولو كان ذلك التغيير صحيحًا، لأنه يجب على التنمية الزراعية في المدن الالتزام بالرسم الهندسي الذي وضعه الاستشاري.
قلت له لكن الاستشاري مهندس معماري أو مدني، ولا علاقة له بالزراعة!. أجاب بحماس أيضا: لا أستطيع أن أخالف الرسم الهندسي والا تعرضت للمساءلة من الهيئة.
انتهى اللقاء بلا جدوى، ولم أتمكن من نسيان تلك الواقعة بعد كل تلك السنوات، ومازلت أتذكرها كلما مررت تحت أشجار السرو البلدي بالمدينة، متضررًا من حرارة الشمس، ومن شكلها الذي لا يوفر أي جمال ولا زهور ولا خضرة، فقط شعيرات متربة لا قيمة لها إلا حين تزرع على أطراف المدن الصحراوية لوقف زحف كثبان الرمال.
والحقيقة، أيضًا أنني مع فكرة استبدال كل تلك الأشجار المزروعة بغرض الزينة، خاصة إذا كانت لا توفر أي شكل جمالي حقيقي من أوراق خضراء وزهور، أو لا توفر ظل للمارة، أو كانت شرهة للمياه ومخربة لأساسات التربة، ولازلت حتى الآن لا أفهم لماذا لا يتم زراعة أشجار مثمرة في شوارع المدن، كما يحدث في العواصم الأوروبية على سبيل المثال.
هل يعلم الاستشاريون الذين يختارون الأشجار للزراعة بناء على الشكل، أن جميع الأشجار يمكن تقليمها لإعطاء شكل جمالي؟ وهل يعلم مسؤولوا المدن الجديدة على وجه الخصوص أن أشجار الزيتون مثلاً موفرة للمياه؟ وأنها لا تتطلب الري أساسًا ويمكنها الاعتماد على الأمطار الفصلية والمياه الجوفية؟ وهل يعلمون أن أشجار الزيتون على وجه الخصوص تعمل على تثبيت التربة الصحراوية وتقلل من احتمالات انهيارها؟
أظن أنه قد الأوان لأن يتم دراسة مسألة التشجير بشكل علمي ومدروس، وأن لايتم زراعة الأشجار بناء على توصيات ممن لا خبرة علمية لهم في النباتات، إذ عادة ما ينصح الممارسون وأصحاب المشاتل الزراعية، بنوعيات ضارة جدا للتربة، على أساس أنها سريعة النمو، ولا تحتاج للمياه، مثل أشجار "الكينوكاربس" و"الفيكاس"، حيث ينصحون بها للأسوار، وقد ثبت بالمناسبة، أنها شرهة جدًا للمياه، إذ تتجول جذورها في كل مكان بحثًا عن المياه، وكثيرًا ما تخترق أساسات المنازل، وتسبب في تصدع الجدران وتقتحم غرف الصرف.
وأخيرًا، أتمنى أن تتعاون وزارات البيئة والزراعة والتنمية المحلية في وضع تصور لخريطة النباتات الملائمة للمناطق المختلفة، يتم فيها مراعاة نوع التربة، والمناخ، ونوع الأشجار التي تصلح للزراعة في كل منطقة، ويتم توزيع تلك الخريطة النباتية على الأحياء وأجهزة المدن للاسترشاد بها في حملات التشجير، بحيث تحقق أقصى استفادة وأقل ضررب ممكن للبيئة والتربة والمياه أيضًا.