أحمد محمود
توقعت وقتها في ذلك المقال أنَّ يواجه الإرهابية عددًا من المشكلات التي من المنتظر أن تواجه جماعتهم؛ وقد تجعل قيادتهم لهذا البلد أمرًا ليس باليسير؛ أولها أنه بينما يُفترض أن التيار الإسلامي ملزم بحل قضية القدس وتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي؛ نجد أن الجماعة الإرهابية تعهدت حتى قبل أن يصلوا إلى الحكم باحترام المعاهدات الإقليمية والدولية؛ ومنها معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل، وهو ما قد يشكل على المدى البعيد حجر عثرة في طريق الجماعة وفكرها العقائدي على الأقل من داخلها؛ والذي قد لا يقبله شباب الإرهابية الذين قد يؤمنون بضرورة الزحف المقدس وتحرير فلسطين.
المشكلة الثانية كانت في علاقة الإرهابية بالولايات المتحدة الأمريكية خاصة والغرب عامة؛ حيث إنَّ تيار الإسلام السياسي هو تيار واسع الحدود لا يتوقف عند حدود الدولة المصرية فقط، بينما تتعلق المشكلة الثالثة بهوية هذا التيار وتحالفاته في المنطقة والنموذج الذي من المنتظر أن تسير عليه منظومة الإسلام السياسي في مصر.
أما المشكلة الرابعة، فتتعلق بمنظومة الأمن وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية خصوصًا أنَّ قيادات وأفراد الجماعات الإسلامية –بلا استثناء– تعرضوا لانتهاكات لا حصر لها من الأجهزة الأمنية في السابق؛ حتى إنه يمكن اعتبارهم خبراء في تاريخ تلك الأجهزة؛ وكيفية التعامل معها؛ وأنهم سوف يتصدون لمسألة إعادة هيكلتها؛ بما يضمن الحفاظ على الحريات الشخصية ومنظومة الأمن في الوقت نفسه وهو تحدٍ ليس باليسير.
وبدون الاسترسال في تلك المشكلات؛ التي واجهها نظام الإرهابية بالفعل؛ وفشل فيها أيضًا؛ بل وسقط نظام الإرهابية بسرعة فائقة؛ وسط رفض شعبي ليس بالقليل؛ إلَّا أنه من الخطأ تصور أنهم قد ابتعدوا تمامًا عن المشهد.
كانت الإرهابية، قد قامت في السنة التي حكمت بها تنفيذ خطة ممنهجة للتمكين؛ ونجحت في زراعة أذرع لها في كل مكان تقريبًا؛ في الإعلام والصحافة مثلًا؛ وفي بعض الهيئات والوزارات الخدمية المتصلة بالمواطن؛ إنَّ لم يكن في جميعها؛ وخصوصًا المحليات؛ وكثيرًا ما يخيل لي أن القرارات التي تثير تذمر وغضب المواطنين؛ غالبًا ما يكونون هم منبعها الأصلي وهم من أثاروا المقترح أصلًا بشأنها للقيادات الإدارية العليا في الأساس وأقنعوهم بجدواها.
كانت الإرهابية، قد أعدت الخطة للتغلغل في المؤسسات الصحفية والإعلامية ووضعت خلايا نائمة ليس في أوساط الصحفيين فقط، ولكن في هياكل الإدارة أيضًا؛ وهو من وجهة نظري الأمر الأخطر؛ فصحيح أنَّ آراء الصحفيين والإعلاميين يمكن أنَّ تكون مؤثرة في الرأي العام؛ لكن وجود خلايا وأذرع لتنظيم ما في الأوساط الإدارية؛ هو أخطر وأكثر تأثيرًا بكثير؛ إذ إنه يتصل بصنع القرار بشكل مباشر.
من المهم أيضا أنَّ ندرك أنَّ الإرهابية ليست مجرد جماعة دينية؛ وإنما هي جماعة سياسية تستخدم الدين كوثاق بين أفرادها لضمان الولاء أولًا؛ والإقناع العقائدي ثانيًا؛ وأنها نجحت مع الوقت في امتلاك رأس مال اجتماعي ضخم؛ مكنها من التغلغل في كل مكان ليس في مصر؛ والعالم العربي والإسلامي فقط؛ وإنما في الكثير من دول العالم أيضا.
ما حدث بعد ثورة 30 يونيو؛ أنه تمَّ التضييق على كل من ينتمون للتنظيم؛ واضطر الكثيرون منهم للسبات من جديد؛ وهو ما يعرف بمصطلح "الخلايا النائمة"، لكنهم كانوا قد تغلغلوا في كيانات غير رسمية أيضًا؛ كاتحادات الشاغلين مثلًا.
كان العديد من أعضاء الإرهابية، قد نشطوا في جميع المناطق؛ خصوصًا بالمدن الجديدة مابين أعوام 2011 و2013؛ للسيطرة على اتحادات الشاغلين عن طريق الضغط على مالكي التجمعات السكنية وبعض القرى السياحية؛ خصوصًا تلك التي تعاني من فاتورة ضخمة للإنفاق على مصاريف الصيانة السنوية؛ والذين وجدوا فى الاستغناء عن الإدارة لتلك الاتحادات حلًا سحريًا للتخلص من أعباء إدارة تلك التجمعات.
روى لي أحد الأصدقاء، أنَّ حظه العاثر أوقعه في السكن بتجمع سكاني يحكمه عدد من الأفراد الذين ينتمون للإرهابية من خلال اتحاد شاغلين منذ ما يزيد على 7 سنوات؛ إذ نجحوا في إقناع مالك التجمع السكني؛ بالتخلي عن الإدارة وتسليمها لاتحاد شاغلين؛ وأحكموا سيطرتهم على هذا التجمع؛ بعيدًا عن أي إشراف من الدولة؛ حتى أن المسجد الذي تمَّ بناؤه بالتجمع السكني المذكور؛ لا يخضع لإشراف وزارة الأوقاف؛ كما أخبرني أن أحد هؤلاء الأفراد هو الذراع اليمنى لأحد قيادات الحركة الإرهابية المحظورة.
روى لي أيضًا، كيف أنهم يصدرون قرارات مزعجة؟؛ تٌمكنهم من التحكم في كل شيئ؛ حتى أنهم يستطيعون إسناد الأعمال لأي شركة أو فرد؛ دون أي رقابة من الأجهزة الرقابية؛ فالرقيب عليهم فقط هو الجمعية العمومية؛ بموجب قانون البناء الموحد؛ الذي يمنح اتحاد الشاغلين صلاحيات لا حدود لها؛ دون أي رقابة من أي جهة؛ وبلا حدود أيضًا؛ وبمعاونة الخلايا النائمة في كل مكان.
أستطيع أنَّ أروي حكايات تملأ كُتبًا لموظفين يبدو أنهم من الخلايا النائمة؛ في المحليات وشركات المياه والكهرباء؛ ووزارة الإسكان وهيئات أخرى؛ يتفنون في ابتكار مشكلات لمضايقة المواطنين وإثارة سخطهم على الدولة؛ وحين يتذمر المواطن يكون الرد؛ هذه قرارات من "جهة عليا"؛ فيحققون بذلك أولًا إخافة المواطن من اتخاذ إجراء أو شكوى؛ وثانيا إشاعة شعور عام بالسخط وعدم الرضا وما خفي من أهداف كان أعظم.