البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
أطلقت سفارة فرنسا في مصر العام الماضي في أكتوبر 2023النسخة الأولى من "يوم القانون" بالتعاون مع معهد قانون الأعمال الدولية بجامعة القاهرة، لازلت أتذكر هذا الحدث، الذي ضم أكثر من 250 شخصًا من خبراء وطلبة القانون والمهتمين بالقانون من الإعلاميين أيضًا، وبما أنني مولع بالقانون وأهتم كثيرًا بالتزود منه، فقد سعدت كثيرًا بتلقي الدعوة لحضور هذا اليوم، والذي شارك فيه الزميل والصديق العزيز الدكتور هشام مراد رئيس تحرير جريدة الأهرام إبدو الأسبق كمتحدث في إحدى جلسات هذا اليوم.

تذكرت ذلك اليوم، وانا اشاهد بعض المقاطع للسيول في أسوان والوادي الجديد وجريان شلالات المياه في مفيض توشكى، والسيول التي ملأت منطقة شرق العوينات وغرب مثلث حلايب، والسبب في أنني تذكرت يوم القانون أيضًا، أنه دار حوار بيني وبين وزير التضامن الأسبق الدكتور احمد البرعي عندما التقيته قبل بدء فعاليات ذلك اليوم، وتجاذبنا أطراف الحديث في انتظار البدء.


تحدثت مع الدكتور البرعي في أشياء مختلفة كانت تتعلق وقتها، بالوضع الراهن في مصر والعالم، ثم سألني عن رأيي في ازمة المياه التي يمكن أن تتعرض لها مصر، قلت له أنني متفائل وغير قلق، تعجب وسألني كيف ذلك؟! قلت له انه في العام ٢٠١٥ شاركت في ورشة عمل في برلين للتحضير لقمة مناخ باريس، تعلمت فيها الكثير مما زادني تفاؤلًا لمصر.


أخبرته عن كيف اهتم العلماء الألمان في هذه الورشة بشرح أدق التفاصيل عن الأرض والمناخ، وكيف كانت الجرعة علمية خالصة، وهو أمر لم أعتد عليه في هذه الورش، خاصة وأن المعتاد أن يتم تنظيم لقاءات مع صحفيين خبراء في تلك المواضيع، يتحدثون فيها بشكل عام، ويجيبون عن الأسئلة بمنطق غير المتخصص.
شرحت للدكتور البرعي أن في هذه الورشة، أخبرنا علماء المناخ والجيولوجيا وفروع أخرى، عن التغيرات التي ستطرأ على الأرض، جراء ارتفاع درجات الحرارة، وأخبرته انني في البداية كنت غير مصدق لما يقولون، إذ قالوا ان المناطق المطيرة ستزداد مطرا، وان المناطق الجافة ستزداد جفافا، وأنه من المتوقع أن تحدث إزاحة لأحزمة المطر في العالم، وستنتج فيضانات وسيول عارمة في بعض المناطق، وسترتفع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق أو آمن على البشر في مناطق أخرى، وتصبح غير قابلة للإعاشة، وستنتشر أمراض غير متوقعه، وستتأثر المحاصيل الزراعية أيضًا.


والحقيقة أن ما قاله هؤلاء العلماء بدأ يتحقق الآن شيئا فشيئا، ففي مصر مثلًا بدات الامطار تزداد وتهطل في اوقات لم نعتدها، فها هي الامطار تهطل بغزارة على السودان وجنوب مصر الى حد السيول، وأظن ان الأمر سيزداد كما توقع هؤلاء العلماء، وربما يحدث أيضًا العديد من الأنشطة التكتونية الغير متوقعة في مناطق مختلفة من العالم جراء تلك التغيرات المناخية.


ما حدث في جنوب مصر، والأمطار التى هطلت من السماء بلا انقطاع لمدة وصلت إلى 12 يوم، ووصلت كمية الأمطار بحسب الخبراء إلى 2.5 مليار متر مكعب من المياه، هو بمثابة خير قادم من السماء، وهو يعني بشهادة الخبراء أن الإزاحة لحزام الأمطار قد حدثت بالفعل، وأن جنوب مصر أصبح جزءًا من هذا الحزام، وهو ما يستدعي الدراسة والبحث والفحص.


ما زلت أذكر حتى الآن كيف كان شرح العلماء مصحوبًا بالبيانات، والصور، وأحيانًا فيديوهات عن تلك الموضوعات، لعرض الآثار الناتجة عن عملية الاحتباس الحراري، تم كيف تنظيم زيارة إلى إحدى القرى الألمانية التي تحولت إلى الطاقة النظيفة والمتجددة تماماً، واستغنت عن الوقود الأحفوري في المنازل، إذ قام أحد الشباب من رواد الأعمال بمشاركة أهالي القرية الفقيرة، وإنشاء تورينات لتوليد الكهرباء من الرياح، وأيضًا غرف لإنتاج الغاز الحيوي والأسمدة، من المخلفات الزراعية والحيوانية.


أظن أنه لو صحت تقديرات العلماء، فإن اتخاذ الاحتياطات والتدابير لذلك في مصر بات أمرًا حتميًا، أولًا من للحماية من آثار تلك السيول التي من المتوقع أن تزداد في المستقبل، وثانيًا بإنشاء مجاري مائية صناعية مبطنة، تسمح بتوجيه تلك السيول إلى مناطق بعينها لاستغلالها، سواء بإضافتها إلى بحيرة السد، أو إلى خزانات أخرى قديمة، أو حتى جديدة يتم إنشاءها تحسبًا للمستقبل، ولاستغلالها في الزراعة.


وأخيرًا أعتقد أن الأرض تسير في خطتها التي قررتها بسبب أنشطة البشر، وأننا سنشهد تغيرات حادة وغير متوقعة سواء من ناحية المناخ أو من حيث نشاط الأرض التكتوني، وأظن أنه على دول حوض النيل أخذ الأمر بجدية، وأنه على إثيوبيا بالتحديد أن تترك السياسة في هذا الأمر وأن تتجه إلى العلم، إذ أن النشاط الأرضي سواء الباطني أو نشاط الأمطار، يشير إلى مخاطر قد لا يتوقعها أحد، وقد يدفع ثمنها العديد من بلاد منطقة حوض النيل، وأولهم إثيوبيا والسودان، إذا استمر الأمر على هذا الحال.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز