أشرف عبد العزيز
من هذا المنطلق نجحت مصر في إدارة علاقاتها الخارجية إقليميًا ودوليًا بثوابت راسخة ومستقرة قائمة على الاحترام المتبادل، والجنوح للسلام وإعلاء قواعد القانون الدولى.. لترسم بذلك محددات السياسة الخارجية التى أكد عليها الرئيس عبدالفتاح السيسى مُنذ توليه مقاليد الحكم.
لذلك؛ نجحت مصر في أن تتبوأ دورها الإقليمي من خلال وضوح رؤية القيادة السياسية وثقتها فى قدرات شعبها أن تكون طرفًا مؤثرًا في مُحيطها الإقليمي، لتضع خطوطها الحمراء التي تنسج بها قوة ردع تحفظ توازن المنطقة وتحول دون انجرافها إلى هُوَّة الفوضى.
وعظُم هذا الدور المصري مع تفجُّر حدة التوترات والأزمات في النطاق الجيوسياسي الإقليمي، وفي الجوار المباشر لمصر "شرق المتوسط، والبحر الأحمر، واليمن، وليبيا، والسودان"، وهي قضايا أمن قومي وسياسة خارجية.
وتجلى الدور المصري منذ اليوم الأول لاندلاع المواجهات بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل؛ فكان الدور المصري حاضرًا بقوة، إذ دفعت مصر بثقلها السياسي؛ من أجل تحقيق التهدئة بين إسرائيل والفلسطينيين وجاءت التحركات المصرية في الحرب على غزة انطلاقًا من دورها التاريخي والقيادي في تبني القضية الفلسطينية وحماية الشعب الفلسطيني الشقيق.
وأظهرت السياسة الخارجية المصرية قدرة لافتة على التحرك السريع على الصعيدين الإقليمى والدولي لدرء أزمة حادة كان يمكن أن تتفاقم وتلقي بظلالها على المنطقة بأكملها واستطاعت الدولة المصرية استغلال اتصالاتها الوثيقة مع الأطراف كافة في سبيل التوصل لهدنة، وبالفعل نجحت في إثبات أن مصر هي الدولة الوحيدة القادرة على لعب دور الوسيط في الصراع "الفلسطيني - الإسرائيلي" نظرًا لامتلاكها كافة المؤهلات التي تتيح لها القدرة على التأثير على الأطراف المختلفة لما تتسم به سياستها المتزنة من قبول لدى كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.
ولعلني هنا استشهد بما أكدت عليه صحيفة "إى يو أوبزرفر" الأوروبية، أن مصر هى الدولة الوحيدة التى يمكنها التأثير بشكل حقيقى على نجاح مفاوضات الهدنة، والتوصل إلى وقف إطلاق النار فى غزة، مُشيرة إلى أنه على الرغم من عدم مُشاركة الاتحاد الأوروبى، بشكل مباشر فى المفاوضات، إلا أنه يواصل تقديم كل دعمه للمحادثات الحاسمة التى توسطت فيها مصر، والولايات المتحدة، وقطر، للتوصل إلى وقف إطلاق النار الذى تشتد الحاجة إليه.
وعلى مدار الأشهر الماضية، خاضت الدبلوماسية المصرية معارك حقيقية مع جهات عديدة وليس لها هدف سوى إنجاح المفاوضات وحقن الدماء العربية.
وخلال كل جولات المفاوضات العديدة، كانت مصر تنسق في كل تحركاتها ومقترحاتها مع جميع الأطراف المعنية، فالقاهرة هى أول من اقترح رؤية متكاملة لحل أزمة غزة حفاظًا على أمن واستقرار المنطقة، وعدم جر المنطقة إلى حرب شاملة. وكانت هذه الرؤية هي أساس المفاوضات، التي تمت في باريس، والدوحة، والقاهرة، فكانت صاحبة الدور الأساسى والشريك الكامل، وليس فقط الوسيط النزيه، وكانت كل مُقترحاتها تتم في حضور الأطراف، وقبولهم لها والترحيب بها.
خلاصة القول: ليعلم الجميع أنه منذ بدء الأزمة في غزة أعلنت القاهرة رؤية شاملة لوقف الصراع "العربى ـ الإسرائيلي"، هذه الرؤية تتمثل فى خارطة طريق تستهدف إنهاء المأساة الإنسانية الحالية، وإحياء مسار السلام من خلال عدة محاور تبدأ بالتدفق الكامل، والآمن، والسريع، والمُستدام للمُساعدات الإنسانية لأهل غزة ثم التفاوض حول التهدئة، ووقف إطلاق النار.
وهو ما تعمل عليه مفاوضات الدوحة، ثم البدء العاجل فى مفاوضاتٍ لإحياء عملية السلام، وصولًا إلى "حل الدولتين"، وإقامة الدولة الفلسطينية المُستقلة التي تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل على أساس مُقررات الشرعية الدولية، والعمل بجدية على تدعيم السلطة الوطنية الفلسطينية الشرعية للاضطلاع بمهامها بشكل كامل فى الأراضى الفلسطينية.