أحمد محمود
ما فهمته من صاحب الحكاية، ولي أمر الطالب الذي انضم إلى مدارس "ستيم"، أنها مدارس داخلية، عندما يلتحق بها الطلاب يعيشون بداخلها، ويتم الإنفاق عليهم؛ إذ تتكفل المدرسة بنفقات الطلاب كافة؛ من ملبس، ومأكل، ووسائل تعليمية. أما الدراسة فهي دون كتب، وإنما يتم تكليف الطلاب بإعداد أبحاث عن موضوعات علمية، يقومون هم بإعداد دراسات، وأبحاث متعمقة عنها، قد تكون مسألة عن الجينوم البشري مثلًا، أو مسألة في الهندسة، أو العلوم.
تساعد مدارس ستيم إذًا، على إعداد خريجين قادرين على حل المشكلات، والابتكار، والاختراع، والاعتماد على النفس في التعلم، والتفكير المنطقي، كما أنها تهدف إلى تحقيق التكامل بين منهج العلوم والرياضيات والهندسة والتكنولوجيا، بما يكشف عن مدى الارتباط بين هذه المجالات، وإعداد طالب لديه القدرة على التصميم والإبداع والتفكير النقدي.
بدأت الدراسة في مدارس "ستيم" في عام 2011 بمدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، ومدرسة المتفوقات في القاهرة، حيث يبلغ عدد المدارس 19 مدرسة موزعة في محافظات الإسكندرية، وأسيوط، والأقصر، ومحافظة البحر الأحمر، والإسماعيلية، وكفر الشيخ، والدقهلية، والقليوبية، وقنا، والشرقية، وبني سويف، والمنوفية، وسوهاج، والمنيا، والفيوم، بحسب ما ذكرته وزارة التربية والتعليم.
يقبل تنسيق مدارس "ستيم" الطلاب الحاصلين على الشهادة الإعدادية من التعليم الحكومي، أو الخاص، أو التجريبي، أو المدارس الدولية. واختبار القبول يتكون من 4 محاور؛ وهي رياضيات، وعلوم، ولغة إنجليزية، وأسئلة مهارات ذهنية.
الغرض إذًا، من ذلك كله هو تخريج "علماء" يمكن الاعتماد عليهم في تنمية مستقبل مصر من خلال البحث العلمي، والابتكار، والاختراع، وهي فكرة عبقرية تستحق الإشادة، ولكن يبدو أن هناك من لم يستوعب هذا الأمر في وزارة التعليم العالي، فأصدر قرارًا بما يسمى التنسيق "المَرِن" والذي يقضي بقبول نسبة معينة من هؤلاء الطلاب في تنسيق القبول بالجامعات بغض النظر عن حصولهم على الدرجات التي تضمن لهم دخول الكليات التي يرغبونها.
أستطيع أن أفهم هذا القرار الذي يضمن عدم "احتكار" هؤلاء الطلاب لكليات القمة، ويضمن للطلاب من خارج تلك المدارس بدخول كليات القمة، لكنني لم أتمكن أنا أيضًا من قبول هذه الآلية، التي قد تحرم طالبًا نابغًا من كلية يرغب في الالتحاق بها لمجرد أن النسبة المسموح بقبولها من مدارس ستيم لا تسمح بذلك، وهذا لأنني أعتقد أن الأمر هنا لا يتعلق بالعدالة بين الطلاب في التقدم للكليات بقدر ما يتعلق بإهدار الفرصة للوطن في اكتساب علماء في تلك التخصصات.
أعتقد أنه كان ينبغي على وزارة التعليم العالي أن تفكر في إنشاء كليات بنظام "ستيم" أيضًا على غرار تلك المدارس المزودة بأحدث نظم التعليم، وبأرقي المناهج؛ وذلك بهدف تخريج علماء في المجالات العلمية المتخصصة المختلفة، وأن يتم تزويد تلك الكليات بأحدث أدوات البحث العلمي؛ بل إنه يتم السماح بقبول طلاب من الثانوية العامة إذا كانوا يتمتعون بقدرات تسمح لهم بمتابعة الدراسة في تلك الكليات العلمية المتخصصة.
وأنا لا أتحدث هنا عن الجامعات التكنولوجية التي تقبل طلاب التعليم الفني من المتفوقين، وإنما أتحدث عن إنشاء كليات جديدة لتعمل بنظام ستيم، وهي بالطبع كليات علمية يتم تزويدها بأحدث المعامل والأدوات التكنولوجية التي تضمن أن يتمكن هؤلاء الطلاب من الاستمرار في التفوق في البحث العلمي وهو أمر بات ملحًا للدولة المصرية، أو ربما يمكن أيضًا أن يتم إنشاء أقسام "ستيم" في الجامعات المصرية، في كليات الطب والهندسة والعلوم، أو في كليات علمية أخرى تتماشي مع مناهج مدارس ستيم، ولكن ذلك ربما لن يوفر المزية التي توفرها كليات أنشِئَت خصيصًا لاستيعاب هؤلاء الطلاب وتخريج دفعات من العلماء الذين مكنتهم الدولة من متابعة قدراتهم العلمية والبحثية.
أعتقد أيضًا، أن الطفرة التي تشهدها مصر في التصنيع والبحث العلمي، سواء بتحديث مصانعها، وبدخول عصر الطاقة النووية من خلال محطة الضبعة، ومع الحادث الأخير الذي طال الباحثة المصرية ريم حامد، وما يحيط بمصرعها في فرنسا من غموض، يُلقي بأصابع الاتهام نحو استهداف العلماء المصريين النوابغ - يجعلنا في حاجة ماسة إلى توفير كل السبل للنوابغ من المصريين هنا على أرض مصر؛ حفاظًا على تلك العقول، والأرواح أيضًا.