البث المباشر الراديو 9090
الدكتورة رانيا أبو الخير
إقليم ملتهب على حافة الهاوية نحو حرب إقليمية محتملة تهدد دوله وشعوبه، ذلك هو الوصف الأكثر تعبيرًا عن حالة إقليم الشرق الأوسط المضطرب الذى يشهد صراعات وحروب داخلية، وتدخلات إقليمية ودولية تزيد من حدة تلك الصراعات والحروب التي يدفع ثمنها الأبرياء من المدنيين.

ولعل ما يجرى في غزة منذ ما يقرب من عشرة شهور يجسد حجم المأساة وخطورتها في آن واحد، إذ يشهد إقليم غزة جريمة دولية يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني وهى جريمة الإبادة الجماعية التي ادانتها المحاكم الدولية مطالبة بضرورة وقف العدوان الإسرائيلي الغاشم الذى يدمر كامل القطاع بل ويمتد إلى كامل الأرض الفلسطينية تحت مزاعم واهية وادعاءات باطلة، محاولة بذلك أن تجر مختلف الأطراف إلى حرب الكل ضد الكل في إقليم لن تتوقف دائرته عن حدوده، بل ستمتد إلى الأقاليم المجاورة بما قد يورط الجميع فى حرب عالمية، خاصة في ظل حالة الانفلات الدولى بسبب السياسات الغربية (الامريكية والأوروبية) حيال مختلف الأقاليم كما هو الحال فيما يجرى في إقليم الأندوبسفيك وكذلك القارة اللاتينية ومن قبل كل ذلك ما يجرى على الحدود الروسية الأوكرانية من حرب اشعلت نيرانها الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي بهدف استنزاف الدولة الروسية التي نجحت في استعادة جزء من مكانتها الدولية.


وبالعودة إلى الأوضاع في الإقليم تكشف القراءة الدقيقة لمفردات الأوضاع وتفاصيلها عن جملة من الحقائق واجبة التسجيل.

أولا، أن السياسة الإسرائيلية الخطيرة في توسيع دائرة الاشتباك لتمتد إلى الأراضي اللبنانية بالاعتداء على الجنوب اللبناني واغتيال قياداته (فؤاد شكر نموذجا)، وكذلك ما جرى على الأرض الإيرانية باغتيال القيادى الفلسطيني (إسماعيل هنية)، فضلا عن اتساع الدائرة إلى الجنوب في اليمن مع دخول جماعة الحوثى على خط الصراع بحجة الدفاع عن الشعب الفلسطيني، أدت هذه السياسة إلى ازدياد حدة الصراع وتشابك أبعاده وتعدد فاعليه بهدف ارباك المشهد بشكل يصعب وضع حلول سلمية له بما يخدم المصالح الشخصية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذى يواجه العديد من القضايا والاتهامات في الداخل الإسرائيلي من شأنها ان تفقده منصبه وتضعه أمام المحاكمة الداخلية، كما أنه اليوم أضحى قاب قوسين للمثول أمام المحاكم الدولية.

ثانيا، أن المواقف الإيرانية وتشددها سواء على مستوى تصريحات مسئوليها او من خلال تحريك اتباعها ووكلائها في الإقليم من شأنه ان تزيد هي الأخرى من خطورة الموقف وتشدده.

ثالثا، الموقف الأمريكي الذي كان من المفترض ان يلعب دور الوسيط النزيه ضمن الرباعية الأممية ودورها في إيجاد حل للصراع العربى الإسرائيلي، إلا أن هذا الموقف قد اختفى تماما ليحل محله موقفا منحازا كلية إلى الجانب الإسرائيلي في عدوانه، معلنا دعمه الكامل لها سياسيا واقتصاديا وعسكريا بما يعنى مزيد من التشدد الإسرائيلي في حربه دون وجود أي طرف يمكن ان يكبح جماح هذا التهور الإسرائيلي الذي لا يضع أية قيود او حسابات على سياساته التي تزيد من اشتعال المنطقة وتوسيع دائرة الحرب بها.

رابعا، التخاذل الدولى وهو الموقف الذي عبرت عنه مواقف العديد من الدول التي لم يتحاوز موقفها حد الادانات السياسية والمناشدات اللفظية والمطالب الشفوية دون ممارسة أي ضغوط او اتخاذ اية إجراءات فاعلة ضد الهمجية الإسرائيلية.

خامسا، يظل الموقف المصرى بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى هو الموقف الأكثر إيجابية في التعامل مع الازمة وتداعياتها سواء على مستوى الجهود السياسية والدبلوماسية عبر اللقاءات والزيارات والتحركات المكوكية التي تقوم بها القاهرة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية المعنية، او على مستوى الجهود الإنسانية المتمثلة في تقديم كل سبل الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني.

نهاية القول، إن المشهد الراهن في الشرق الأوسط يواجه خطرا ماثلا نحو احتمالية توسع دائرة الصراع والحرب بسبب التهور الإسرائيلي والاندفاع الإيراني والتواطؤ الأمريكي والتخاذل الدولى، في حين يظل الموقف المصرى بحكمته السياسية وبدوره الإنساني خط الدفاع الأخير لمنع اندلاع حرب لا يقدر الجميع حجمها وخطورتها وامتداداتها التي قد تتسع لتصبح حرب عالمية ينخرط فيها الجميع.

فهل يفيق العالم قبل فوات الأوان ويلتف حول الموقف المصرى وقيادته السياسية الواعية لتطورات الأوضاع وخطورتها؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز