حسام الدين الأمير
وما أشبه الليلة بالبارحة مع الفارق فإن أعداء الأمس هم أعداء اليوم، فقد كانت قوة وعظمة الدولة المصرية في أكتوبر 1973 فارضة للإرادة على العالم أجمع، رغم تكالب الدول العظمى على الدولة المصرية ومساندتهم لإسرائيل والانحياز التام لها، لكن إرادة القرار المصري وشجاعة التخطيط له وعظمة العسكرية المصرية وصمود الشعب العظيم كانت كلها عوامل شكلت كلمة السر في النصر المبين، ومن بعدها فرضت الدولة المصرية إرادتها على العالم أجمع بما فيهم القوى العظمى ذاتها.
واليوم ورغم كل ما يحيط بالدولة المصرية من مخاطر من نفس الأعداء وحرب مصر الشرسة ضد الإرهاب إلى أن صلابة القرار المصري وبسالة القوات المسلحة المصرية و تلاحم قوى الشعب وتفرد السيادة كلها عوامل وراء فرض الدولة المصرية إرادتها على المنطقة من ناحية وحماية حدودها وأمنها الداخلي من ناحية أخرى.
وبالعودة إلى ذكرى حرب السادس من أكتوبر عام 1973 أو حسب التسمية العربية "حرب العاشر من رمضان" أو حسب التسمية الإسرائيلية "حرب يوم كيبور" أو "عيد الغفران" أو حسب ما وصفها المؤرخون بأنها الحرب الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، فهي تعد رابع حرب تدور بين العرب وإسرائيل بعد حروب أعوام 1948 و1956 و1967 وهي الحرب التي قالت عنها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن "العرب والإسرائيليون يتقاتلون على جبهتين والمصريون يعبرون قناة السويس، ومعارك جوية مكثفة والولايات المتحدة تطالب بوقف القتال ومناشدات كسينجر لمنع المعارك بلا جدوى".
وقالت صحيفة واشنطن بوست "إن المصريين حققوا نصرا نفسيا على إسرائيل، واستعادة مصر السيطرة على قناة السويس انتصار لمصر لا مثيل له" وفي 12 اكتوبر 1973 قالت نفس الصحيفة "إن احتفاظ المصريين بالضفة الشرقية للقناة يعد نصرًا ضخمًا لا مثيل له، تحطمت معه أوهام الإسرائيليين بأن العرب لا يصلحون للحرب" وفي 10 أكتوبر 1973 قال مراسل وكالة الأسوشيتد برس في تل أبيب " لقد واجه الإسرائيليون خصمًا يتفوق عليهم في كل شيء ومستعدًا لحرب استنزاف طويلة كذلك واجهت إسرائيل في نفس الوقت خصمًا أفضل تدريبًا وأمهر قيادة".
و بقراءة متأنية للمشهد العربي في حرب أكتوبر 1973 سنجد ان الوحدة العربية التي خططت لها العظمة المصرية مثلت عامل كبير في تحقيق النصر والتلاحم العربي للخروج بالنتيجة التي تمثلت في استرداد السيادة المصرية الكاملة على قناة السويس وعودة الملاحة في القناة بدءا من يونيو 1975، واسترداد مصر جميع أراضيها في شبه جزيرة سيناء، واسترداد سوريا جزءا من مرتفعات الجولان، كما مهدت الحرب الطريق لاتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل بعد مبادرة الرئيس الراحل محمد أنور السادات في نوفمبر 1977 بزيارة القدس.
وبقراءة أخرى في الخسائر العربية خلال حرب أكتوبر 1973 فقد تمثلت في مقتل 8528 من المدنيين والعسكريين، وجرح 19 ألفا و549 وتفاصيل هذه الأرقام على الجانب المصري تدمير 500 دبابة و120 طائرة حربية و15 مروحية وخسرت سوريا 500 دبابة و 117 طائرة حربية و 13 مروحية، والعراق تكبدت خسائر تمثلت في تدمير 137 دبابة و26 طائرة حربية، والأردن خسرت 18 دبابة، وبنظرة متأنية في الخسائر الإسرائيلية في حرب أكتوبر نجدها تمثلت في 2656 قتيلا، و7250 جريحا وأكثر من 340 أسيرا وتدمير 400 دبابة، واستيلاء الجيوش العربية على دبابات أخرى، وتدمير أكثر من 300 طائرة حربية و25 مروحية
وهو ما يؤكد فداحة الخسارة التي لحقت بالجانب الإسرائيلي وتحطم فكرة أن إسرائيل الجيش الذي لا يقهر، بعد أن أجمع كافة الخبراء العسكريون استحالة العبور، لكن مصر كانت قادرة على قلب موازين القوى وإبهار العالم حيث حققت الخطة المصرية الهجومية مفاجأة استراتيجية، ونجحت في شل وإرباك القيادة الإسرائيلية على مختلف المستويات.
ليس هذا فحسب بل أن حرب أكتوبر والعبور العظيم أصبح مرجعًا أساسيًا لكل الجيوش العالمية الحديثة، إلى الحد الذي جعل المؤرخ العسكرى البريطانى، إدجار أبولانس، يصف عملية العبور بأنها كانت معجزة عسكرية مكتملة الأركان.
ولا ننسى ما قاله صاحب كتاب إسرائيل.. انتهاء الخرافة، آمنون كابيليوك، حين قال: "تقول الحكمة البريطانية: كلما كان الصعود عاليًا، كان السقوط قاسيًا ففي السادس من أكتوبر، سقطت إسرائيل من أعلى برج السكينة والاطمئنان الذي كانت قد شيدته لنفسها، وكانت الصدمة على مستوى الأوهام التى سبقتها قوية ومثيرة، وكأن الإسرائيليين قد أفاقوا من حلم طويل جميل لكى يروا قائمة طويلة من الأمور المسلم بها والمبادئ والأوهام والحقائق غير المتنازع عليها، التى آمنوا بها سنوات عديدة، وقد اهتزت بل وتحطمت فى بعض الأحيان أمام حقيقة جديدة غير متوقعة وغير مفهومة بالنسبة لغالبية الإسرائيليين ومن وجهة نظر الإسرائيلى العادى يمكن أن تحمل حرب أكتوبر أكثر من اسم، مثل انهيار الأساطير أو نهاية الأوهام أو موت الأبقار المقدسة".
وكشف ناحوم جولدمان، رئيس الوكالة اليهودية الأسبق، فى كتابه إلى أين تمضى إسرائيل، "أن من أهم نتائج حرب أكتوبر 1973، أنها وضعت حدًا لأسطورة إسرائيل فى مواجهة العرب، وأحدثت تغييرًا جذريًا فى الوضع الاقتصادى ومن أهم النتائج الأكثر خطورة تلك التى حدثت على الصعيد النفسى، حيث انتهت ثقة الإسرائيليين بتفوقهم الدائم".
وقالت جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل، "ليت الأمر اقتصر على أننا لم نتلق إنذارًا فى الوقت المناسب، بل إننا كنا نحارب على جبهتين فى وقت واحد، ونقاتل أعداء كانوا يعدون أنفسهم للهجوم علينا من سنين" وقالت أيضاً "سأظل أحيا بهذا الحلم المزعج لبقية حياتى، ولن أعود الإنسانة نفسها مرة أخرى التى كانت قبل الحرب".
وبعد كل هذا السرد فإننا في هذا العام 2024 نعيش الذكرى الــ 51 لنصر أكتوبر وسط أجواء تنموية تتمثل في وضوح ملامح الجمهورية الجديدة وبناء الإنسان المصري ومبادرات رئاسية تحترم حقوق المواطن وحياة كريمة لكل المصريين، ويتزامن مع كل ذلك التنمية الحقيقية التي تشهدها أرض الفيروز "سيناء" حيث وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي تنميتها على رأس أولوياته حيث كانت توجيهاته حاسمة بتنفيذ المشروع القومي العملاق لتنمية سيناء.
وتكشف هذه الأرقام التي كشفت عنها الهيئة العامة للاستعلامات حيث زاد إجمالي الاستثمارات العامة الموجهة لتنفيذ مشروعات في سيناء ومدن القناة نحو 10 أضعاف لتصل إلى 58.8 مليار جنيه عام 2023/ 2024، مقارنة بـ 5.9 مليار جنيه عام 2013 / 2014، فضلاً عن 377 فرصة استثمارية متوفرة على الخريطة الاستثمارية بمختلف الأنشطة منذ إنشاء الخريطة عام 2018، و180 فرصة صناعية، كما تم افتتاح 3 مراكز لخدمة المستثمرين بتكلفة 212.7 مليون جنيه لخدمة 7.5 ألف شركة، وحتى فبراير 2024 قدم جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر قروضاً بقيمة 2.4 مليار جنيه مولت 56.2 ألف مشروع وفر نحو 97.5 ألف فرصة عمل.
وفيما يخص المشروع القومي للتنمية المجتمعية والبشرية والمحلية تم تقديم قروض بقيمة 930.4 مليون جنيه حتى فبراير 2024 مولت 5951 مشروعاً وفر نحو 43.9 ألف فرصة عمل، واستمراراً لعميلة التنمية في سيناء فقد شهدت مشروعات الطرق والأنفاق والكباري العائمة إنشاء 5 أنفاق أسفل القناة لربط سيناء بمدن القناة بتكلفة 35 مليار جنيه، ليصل عددها إلى 6 أنفاق عام 2023 مقابل نفق واحد عام 2014.
كما تم تنفيذ 5000 كم من الطرق ورفع كفاءتها حتى مارس 2024، علاوة على إنشاء 7 كباري عائمة للعبور أعلى الممر الملاحي للقناة بتكلفة 990 مليون جنيه، وبلغت نسبة زيادة مساحة الأراضي المستصلحة والمنزرعة 176.7 % لتصل إلى 285 ألف فدان عام 2024، مقابل 103 آلاف فدان في يونيو 2014.
وفيما يخص مشروعات الزراعة والثروة الحيوانية فتشمل مشروع تنمية سيناء والذي تصل المساحة الإجمالية له 1.1 مليون فدان، منها 285 ألف فدان مساحة منزرعة، بجانب إنشاء 18 تجمعاً زراعياً بإجمالي 2122 أسرة مستفيدة.
وتم إنشاء منظومة تعليمية متكاملة لأهالي سيناء ومدن القناة ففي التعليم قبل الجامعي، بلغت نسبة زيادة عدد المدارس 22.3% حيث وصل عددهم إلى 3094 مدرسة عام 2023/2024، مقابل 2530 مدرسة عام 2013/ 2014، بجانب زيادة عدد الفصول بنسبة 15.9%، حيث بلغ عددهم 24.1 ألف فصل عام 2023/ 2024، مقابل 20.8 ألف فصل عام 2013/ 2014، علاوة على زيادة عدد المقيدين بالمدارس بنسبة 40.1 % ، حيث وصل إلى 937.8 ألف طالب عام 2023/ 2024، مقابل 669.2 ألف طالب عام 2013/ 2014.
وتم إنشاء 7 مدارس يابانية لأول مرة في سيناء ومدن القناة، بجانب إنشاء 4 مدارس تكنولوجية تطبيقية، ومد كابلات الفايبر لـ 138 مدرسة ثانوية، علاوة على توزيع 116.1 ألف جهاز تابلت لطلاب المرحلة الثانوية، وفيما يخص التعليم الجامعي، فقد بلغت نسبة زيادة عدد الجامعات الحكومية والخاصة 50%، حيث بلغ عددهم 6 جامعات حكومية وخاصة عام 2023/ 2024، مقابل 4 جامعات حكومية وخاصة عام 2013/ 2014، بجانب 4 جامعات أهلية تم إنشاؤها وبدء الدراسة بها لأول مرة.
وبلغت تكلفة إنشاء الجامعة التكنولوجية بمدينة سلام (شرق بورسعيد) 570 مليون جنيه، بجانب بلوغ عدد كليات الجامعات الحكومية بسيناء ومدن القناة 57 كلية، و6 معاهد، وابنظر إلى التنمية السياحية في سيناء علينا ان نتعرف جميعا على مشروع التجلي الأعظم، والذي يهدف إلى تطوير المواقع في شبه جزيرة سيناء لجذب السياحة الروحية والترفيهية إلى المنطقة.
وبعد كل هذا السرد أرى من وجهة نظري أن إسرائيل عليها أن تعرف حجمها وقدرها فمهما زادت في ممارساتها الإجرامية عليها أن تعرف أن سيناء خط أحمر وما دفعه المصريون في هذه الأرض منذ احتلالها وحتى استردادها كان ولا يزال لا يقدر بأي ثمن، وإن كل يوم يمر على الدولة المصرية والمواطن المصري تتجلى فيه روح الانتصار العظيم روح أكتوبر المجيدة، وعلينا أن نعرف دوما أن عدو الأمس هو نفسه عدو اليوم، لكن إرادة المصريين دوما حاضرة في المشهد.