البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود‎
ارتبط شعار الأسر المُنتجة في مصر طوال الوقت بالصناعات، والحِرَف اليدوية. وهو أمر طبيعي؛ بسبب أن الصناعات الكبيرة والمتقدمة تحتاج دائمًا إلى رؤوس أموال ضخمة، ومعدات متطورة وتدريب للعاملين عليها؛ لضمان جودة الإنتاج، وقدرته على التطور والمنافسة مع الصناعات المُماثلة خارج البلاد.

ويبدو أن عدم وجود برنامج يضمن التزام المُستثمرين بالعمل، على إدخال صناعات مُتطورة ودقيقة؛ دفع المُستثمرين لاختيار الصناعات السهلة، وغالبًا الاستهلاكية، كما اهتموا أكثر باستثمارات الـ"فرانشايز" التي تعتمد على علامات تجارية عالمية؛ وذلك لضمان تحقيق أقصى وأسرع أرباح مُمكنة، والابتعاد أيضًا عن مخاطر الصناعات المُتطورة والكبيرة.

مُعظم الحكومات التي تولت الإدارة في  مصر، رغبت في أن تتبنى روشتة صناعية تُسهم في تقدم الصناعة لتُنافس الدول المُتقدمة، وتسعى لأن تُنتج الأسر لديها صناعات مهمة؛ مما جعلها تضطر لمحاولة جذب الاستثمارات الصناعية من الدول الصناعية الكبرى، لتحقيق هذا الحلم، وهو ما يُمكن أن يُسهم في إضافة دخل قومي، يبدو وكأنه ناتج محلي، ولكنه في حقيقة الأمر غير ذلك.

المشكلة الحقيقة؛ هي أن الحكومات المُتعاقبة، تحاول القفز على التطور الطبيعي لمفهوم الأسر المُنتجة، فهي ترغب في أن يتحول المُجتمع إلى مُجتمع مُنتج، دون توفير الآلية التي تضمن ذلك، ودون تدريب الأسر نفسها على أن تُصبح أسر مُنتجة، ودون ترسيخ أن يكون لدى تلك الأسر، مفهوم إنتاجي يدفعها دفعًا إلى اعتماد فكرة الدخل من الإنتاج، سواء من المشروعات الإنتاجية الغذائية، أو الصناعية البسيطة، وذلك على أمل أن يتحول أحد أو بعض أفرادها إلى الاستثمار في الصناعات الدقيقة مثلًا بعد تلقيهم التدريب اللازم لذلك.

ما حدث في الدول الصناعية الآسيوية على وجه الخصوص، هو أن الحكومات في السنوات الأخيرة هناك، دعَّمت فكرة أن تصبح كل أسرة مُنتجة لمُنتج تحتاجه تلك الدول في التصنيع، وهو ما ساهم في أن تتحول أحياء، ورُبما مُدن بأكملها، إلى ورش صغيرة، تُنتج مُستلزمات الصناعة المحلية، كما لم تنسَ أيضًا، أن تدعم إنتاج المواد الغذائية بالطريقة نفسها؛ مما جعل تلك الدول تُحقق فائضًا كبيرًا في المنتجات الصناعية والزراعية والغذائية أيضًا.

كانت الأسرة المصرية تنتج مُعظم غذائها، وتعتمد على تربية الدواجن في المنازل، وأنا لا أتحدث هنا عن الريف فقط؛ بل عن أحياء المدينة أيضًا، ثم مع بدء ظهور رجال أعمال تخصصوا في استيراد الدواجن، صدر فجأة قرار بحظر تربية الدواجن في المنازل، مُتذرعًا بظهور وباء إنفلونزا الطيور، وهو ما جعل الأسرة المصرية، مُعتمدة اعتمادًا كليًا على صناعة الدواجن، التي يُنتجها أصحاب المزارع، وبشكل أكبر على الدواجن المُستوردة أيضًا.

ساهم هذا القرار بلا شك في زيادة ثراء تجار الدواجن، وازدهار تلك الصناعة في الفترة السابقة، قبل أن تتدهور؛ بسبب زيادة أسعار العلف، ولكنه ساهم أيضًأ في ارتفاع أسعار الدواجن؛ بسبب انخفاض حجم المعروض، وزيادة الطلب عليه، وهو أمر زاد من مُعاناة الأسرة المصرية حاليًا، وعدم قدرتها على شراء اللحوم والدواجن بسهولة خاصة في الآونة الأخيرة.

أعتقد أن محاولة الحكومات السابقة، إضفاء شكل "أنيق" على تربية الدواجن، كان له أثره على التحول الثقافي للأسرة المصرية، والتي أصبحت ترى أن تربية الدواجن في المنازل، أمر يفتقر إلى اللياقة والمدنية، وهو أمر رسخ شيئًا فشيئًا ابتعاد الأسرة المصرية، عن مفهوم الأسر المُنتجة، وأظن أنه تسبب في انخفاض مُشاركة المُجتمع في الإنتاج أيضًا، وهو أمر يستدعي الدراسة والفحص من خلال دراسات اجتماعية وتحقيقات صحفية مُعمقة.

يتذرع المسؤول الذي أصدر القرار بحظر تربية الدواجن في المنازل، بخطرها على الصحة العامة، مع أن مُربي الدواجن في المنزل، يحرص أشد الحرص على النظافة، للحفاظ على ثروته الداجنة، وعلى مسكنه أيضًا، وعلى صحة الأسرة، وهو أمر أعتقد أن كثيرون من الناس يذكرونه حين كانت جداتهم تربي الدواجن في المنازل.

ربما كانت الحكومات السابقة تحرص على منع الأنشطة الملوِّثة للبيئة، وتلك التي تهدد الصحة العامة كتربية الدواجن في المنازل، ومع ذلك لا تزال منطقة "الزبالين" التي تقع في نطاق محور 26 يوليو، تُلقي بلايين الجزيئات السامة، والبكتيريا على المنطقة الواقعة حولها، ويستنشقها يوميًا آلاف المارة، رغمًا عنهم، ومع ذلك لم يصدر قرار من الدولة بإزالتها حتى الآن، على الرغم من خطرها الأكيد على الصحة العامة لقاطنيها والمارة بجوارها، ورائحتها الكريهة أيضًا.

وأخيرًا، أظن أنه على الدولة أن تتخذ قرارًا، بالسماح بعودة تربية الدواجن في المنازل، وهو أمر لن يُسهم فقط في توفير اللحوم البيضاء للأسرة المصرية، وانخفاض أسعارها، وتقليل فاتورة الاستيراد منها، ولكنه سيعيد للمواطن المصري، مفهوم الأسرة المُنتجة، وسيحوِّله من مُستهلك إلى مُنتج أيضًا، وهي مسألة أصبحت تتعلق ليس فقط بتحقيق الأمن الغذائي، وإنما بتحقيق الأمن القومي أيضًا، في ظل ما يشهده العالم من صراعات، على الغذاء، والأرض، وأشياء أخرى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز