البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود‎
ليس هذا اسمًا لمسرحية جديدة على غرار مسرحية الكاتب الأمريكي، تينيسي ويليامز "قطة فوق سطح صفيح ساخن"، والتي عُرضت، لأول مرة، على مسرح مورسكو بنيويورك فى 20 مارس 1955، وأخرجها إليا كازان، وحصدت جائزة البوليتزر كأفضل عمل درامى، ولكنها حقيقة سياسية تحدث الآن في بعض بقاع العالم، وتنذر أحداثها بحرب عالمية إذا استمرت الأوضاع على هذا المنوال.

كثيرًا ما أتساءل عن سلوك الولايات المتحدة المائل للحرب، واستعراض القوة، وهو سلوك ارتبط بالرؤية الأمريكية لنفسها باعتبارها القوة العظمى في العالم، والتي أصبحت تتحكم في معظم منابع القوة، وتفرض سياساتها على الجميع، ومن يحاول الخروج عن النص؛ يكون مصيره إما العقوبات، أو نزاع مُصطَنَع على الحدود مع دولة جارة يتم دعمها بكل الوسائل، كما يحدث الآن بين روسيا وأوكرانيا.

يبدو الأمر، وكأن السياسة الأمريكية مرتبطة بنشوة "القنابل الذرية"، والتي أطلقتها 1945 على هيروشيما ونجازاكي، أثناء الحرب العالمية الثانية، وجعلها تسيطر على العالم. الحذر من تداعيات "البلطجة" الأمريكية، التي يمكن أن تحدث في أي وقت، وتجاه أي دولة تعارضها، في ظل نظام عالمي "ضعيف"، ومنظمات دولية "خاضعة" بالأساس للولايات الأمريكية، لا تجرؤ على معارضتها، وإلا كان مصير قادتها الإزاحة من مناصبهم، وفقدان رواتبهم التي تقدر بمئات الآلاف من الدولارات شهريًا.

ما يحدث بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا، هو شيء من هذا القبيل. وما يحدث في الشرق الأوسط هو شيء من هذا القبيل أيضًا؛ إذ يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية، لا تهتم كثيرًا بما يحدث للبشر في تلك النزاعات، طالما أن مصانعها التي تنتج السلاح، لا تتوقف عن العمل، وطالما كانت مخططاتها من أجل شرق أوسط جديد، تسير في خطاها، وتستهدف مصر بالأساس، بل وتتمنى أمريكا أن تتحقق خطتها يومًا ما، رغم المقاومة والحذر المصري من تداعيات هذه المحاولات.

الحقيقة، أنني عندما زرت الولايات الأمريكية للمرة الأولى 2013 ضمن برنامج "الزائر الدولي" الذي تنظمه الخارجية الأمريكية، وللمرة الثانية 2016؛ لحضور قمة ريادة الأعمال - استطعت أن ألمح الفارق الكبير بين الشخصية الأمريكية الأصلية للمواطن الأمريكي، وهي شخصية تحمل الكثير من الإنسانية، وحب الحياة، وبين الشخصية السياسية الأمريكية، التي تبدو متأثرة بشكل كبير بأفلام الويسترن والخيال العلمي والخوف، من أعداء الولايات المتحدة الأمريكية، سواء من البشر أو حتى من الكائنات الفضائية.

يبدو الأمر وكأن السينما الهوليودية، صنعت شخصية "مركز" خاصة بالسياسي الأمريكي، فهو في حالة استنفار دائم ضد العالم كله، لايثق فيه، ويظن أنه يسعى للقضاء عليه، وأنه لا يمكن الاستمرار في الحياة، إلا من خلال السيطرة على الجميع، والاستحواذ على منابع الطاقة، وامتلاك أقصى قدرات القوة، والاستعداد للحرب، أو على الأقل كبح جماح الجميع، ومنعهم من النمو والتنمية، وامتلاك أسباب القوة، قبل أن يستعدوا للحرب ضد الأمريكان، وهو أمر يبدو مسيطرًا على خيالهم بكل تأكيد.

رُبما يكون هذا ما يُفسر العلاقة المتينة للولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني؛ فتلك المشاعر هي مشاعر صهيونية بكل تأكيد، وهي مشاعر ارتبطت بتاريخ الكيان الصهيوني ونشأته، وهو ما يمكن فهمه إذا أدركنا أن السينما الأمريكية، حملت تلك المشاعر منذ بداياتها أيضًا، حول الحرب والقوة والسلاح والقتل، والاستحواذ على الثروات، والاستيلاء على الأرض، واستعباد البشر، حيث بدا ذلك واضحًا في أول فيلم أمريكي طويل، أنتج 1915 بعنوان "ولادة أمة" أي قبل وعد بلفور بعامين فقط.

أستطيع بعد تفكير أن أقول إن عديدًا من ُصنَّاع السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، في احتياج شديد لإعادة التموضع النفسي، وأنهم يمكنهم أن يصبحوا إنسانيين أيضًا، وأنه عليهم فقط أن يتعلموا، وأن يفهموا بشكل أعمق، الثقافات والفلسفات الشرقية الروحانية، وأن يدركوا المغزى الحقيقي من حياة البشر على هذا الكوكب، وأن العنف والجشع لا يجب أن يكونا من طبيعة البشر الأسوياء، بل إن الأصل في البشر هو الحضارة والإنسانية والتسامح.

وأظن أنه لو أدرك صُنَّاع السياسة الأمريكان ذلك؛ فإنهم سيكونون قادرين على كبح جماح الآلة الصهيونية المُدمرة، التي لا تُدمر فلسطين ومنطقة الشرق الأوسط فقط، لكنها في حقيقة الأمر، تدمر مبادئ الإنسانية، وتخلق نمطًا من العنف، يحيل البشر إلى نوع آخر من الكائنات الرذيلة، تزدريه كافة الفلسفات العقلية والروحية، والذي إن استمر، لن تظل الإنسانية على سطح صفيح ساخن؛ بل ربما سيشتعل العالم أكثر وأكثر حتى يفنى عن آخره.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز