إيهاب الملاح
منذ ظهرت الميديا الحديثة بوسائطها المتطورة وهيمنتها المطلقة، وانتشارها الكاسح، ولم يعد لأحد مفر ولا مهرب من المواجهة المباشرة مع ما أسميه على "سيادة تزييف الوعي" إلا بالتسلح بالعلم الحديث وحده، والوعي اليقظ وحده.
وللأسف، فإن المجتمعات والشعوب التي لم يقدَّر لها أن تكوِّن وعيها الجمعي بعدُ، ولا أن تتخطى الحاجز الأسود بين العيش في إرث الجهل والخرافة والمعرفة الشفاهية، وبين البحث عن الأدوات والمهارات والأفكار التي تحررنا من أسر هذا الإرث اللعين، كل ذلك أدَّى بنا إلى الغرق في بحار من الأوهام، ومحيطات من الخزعبلات، و"تريند" اليوم يقود الملايين في هذا الاتجاه، وتريند الغد يسوق الملايين في الاتجاه المضاد، وبعد غد إلى الوجهة التي يريدها من يمسكون بالزمام ويسوقون القطيع! وإلى ما شاء الله.
بيئة خصبة تماما ومهيئة تماما لإدارة ماكينة الشائعات والترويج لها والسيطرة على العقول بكل الأشكال والحيل والألاعيب، كمية تزييف للوقائع وفبركة للأحداث واختلاق لم أقرأ عنها ولم أسمع بها في حياتي بمثل هذا التوحش وهذا الانتشار وهذه القدرة على التأثير في السنوات العشر الأخيرة! شيء مذهل!.
ما زلنا مغروسين حتى النخاع في التربة الطينية اللزجة التي تقوم على "التوجيه" وتسييد ثقافة القطيع والسير في ركاب النقل الجمعي دون لحظة شك واحدة! دون طرح سؤال واحد! دون نظرة نقد واحدة!.
يستوي في هذا المتعلم الحاصل على شهادة جامعية أو حتى على درجة ماجستير أو دكتوراه أو ذلك الذي لم يتيسر له أي قدر من التعليم أو الثقافة، يستوي في ذلك من يتولى مهام ومسؤوليات رفيعة تقتضي تأهيلا وتدريبا وإعدادا لائقا (دون أن يحدث ذلك بالمرة) وبين من يعملون في أي وظيفة بسيطة لا تقتضي أكثر من كلمة أو إشارة ورغم ذلك لا تتم ولا تمر وتنجز إلا بالضالين!.
لن ننجو من هذا الخطر إلا بمواجهة أنفسنا ومراجعة تجاربنا وأخطائنا المتراكمة الفاحشة على مدى نصف القرن أو يزيد! لا بد من تشخيص الداء قبل البحث عن الدواء وإلا.. الله وحده القادر على إنقاذنا مما يحدق بنا وبأبنائنا وأحفادنا فيما هو قادم!.. وللحديث بقية.