البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود‎
كنت أستعد لكتابة مقال عن رسالة دكتوراة، أعدتها الباحثة رضوى عادل، مديرة وحدة المؤسسات المالية غير المصرفية، في قطاع الخزانة في أحد البنوك العاملة في مصر، تناولت فيها دور المسؤولية الاجتماعية، في الحد من الأزمات المالية التي تواجه القطاع المصرفي، لتحقيق التنمية المستدامة، وهو موضوع يهم قطاع عريض من الناس، خصوصًا مع التقلبات، التي يتعرض لها الاقتصاد، في معظم أنحاء العالم، وتأثيرات السوق المصرفية على اقتصادات الدول، وحياة الناس في مصر والمنطقة بأكملها.

تلقيت في أثناء ذلك دعوة، لحضور مؤتمر عن تكتل دول بريكس، نظَّمه مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية، بالتعاون مع السفارة الروسية في مصر، وقد لفت انتباهي فيما جاء في محاور المؤتمر، أنه إلى جانب التأثيرات الاقتصادية للتكتل، والتي يتم مناقشتها بشكل واسع في عديد من المحافل، سواء المحلية أو الإقليمية أو الدولية - يتعرض بالنقاش أيضًا، إلى الجوانب الثقافية، والإعلامية المتعلقة بتكتل بريكس، وهو جانب على درجة عظمى من الأهمية.

جاءت المناقشات في المؤتمر ثريَّة، حول أهمية التقارب الثقافي، والحضاري أيضًا، لدول التكتل، والتي يمكن أن تشكل قوة كبرى، تشبه قوة دول عدم الإنحياز، وأن هذا التقارب يحتاج إلى مزيد من التبادل الثقافي بين دول التكتل، بل والتعاون العلمي أيضًا، وزيادة الأبحاث العلمية الاجتماعية عن مجتمعات دول التكتل، وإجراء الدراسات التي يمكن أن تسهم في مزيد من الفهم لتلك المجتمعات بما يحقق أقصى درجات التقارب.

والحقيقة، إن مجموعة بريكس بتوسعاتها الجديدة، اكتسبت اهتمامًا دوليًا كبيرًا، يعود في المقام الأول إلى التأثير الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي المشترك، للدول الأعضاء فيها، وهو الأمر الذي ازداد أهمية بانضمام أعضاء جدد، منذ يناير 2024، بما ينبئ بإمكانية وجود تأثير كبير للتكتل على النظام الدولي في السنوات المقبلة، ليس على المستوى الاقتصادي، والسياسي فحسب؛ وإنما على المستويات الثقافية، والاجتماعية أيضًا.

ويبدو أن العام 2024 كان بمثابة نقطة تحول في مسيرة التكتل؛ نتيجة انضمام خمسة أعضاء جدد من بينهم مصر، وذلك بالتزامن مع رئاسة روسيا للتكتل، والتي جاء على رأس أجندتها الاهتمام الوثيق بالجهود المبذولة، لدمج الأعضاء الجدد، في بنية التعاون متعددة الأطراف، وهو ما ظهر جليًا في كلمة سفير روسيا فى مصر "جيورجى بوريسيينكو" في المؤتمر، التي جاءت معبرة، ليس فقط عن متانة العلاقات بين مصر وروسيا، ولكنها أكدت أيضًا، على وجود تفاهم وتعاون كبير بين البلدين وباقي بلدان التكتل فى إطار بريكس.

وفي هذا الصدد، قال السفير "بوريسيينكو"، إن أهم أولويات روسيا مع توليها رئاسة البريكس، أن يكون هناك تعاون متعدد الأطراف، ليس مع مصر، أو الصين فقط، ولكن مع كل دول المجموعة أيضًا؛ بل وتوسيع دائرة الانضمام إليها، وأنه خلال هذا العام، كان هناك أكثر من 200 فعالية تم تنفيذها فى إطار بريكس على المستويات كافة، وأن أكثر من 12 وفدًا حكوميًا مصريًا زاروا روسيا، بخلاف الوفود من باقي دول التكتل، وأن هناك تعاونًا في تحالف البريكس؛ لكي يتم التنسيق في المواقف السياسية الدولية والأمن الدولي والعمل المشترك وتنظيم الفعاليات الاقتصادية، والرياضية، وغيرها أيضًا.

والحقيقة، إنني أظن أن أهم ما جاء في المؤتمر، إلى جانب مناقشة أهمية التبادل العلمي، والثقافي بين دول بريكس، هو اعتماد لغات رسمية للتكتل، وإيجاد تعاون إعلامي خاص به؛ وهو ما سيسهم حتمًا في إرساء دعائم هذا التقارب، وهو ما أكدت عليه أولجا ليوبيموفا وزيرة الثقافة الروسية، في لقائها مع وزير الثقافة المصري أحمد هنو، ضمن مشاركته في الاجتماع التاسع لوزراء الثقافة بمجموعة البريكس، والمنعقد بمدينة سانت بطرسبرج بجمهورية روسيا الاتحادية، أن مصر شريك ثقافي مُهم لـ روسيا، وأن انضمامها إلى مجموعة البريكس، يُسهم في تعزز الحوار الثقافي بين البلدين، وبناء جسور جديدة من الفهم المتبادل.

أعتقد أنه قد أصبح من الضروري التوسع في دراسة اللغات الروسية، والصينية، والإسبانية في مصر، وربما اختيار لغة واسعة الاستخدام من إفريقيا أيضًا، سواء السواحيلية، أو الهوسا؛ حيث سيسهم ذلك في زيادة التقارب بين مصر، ودول البريكس الأساسية، ودول إفريقيا أيضًا. هذا التقارب الذي تحتاجه كل الدول في العالم الصاعد، ليس على الجانب السياسي، والاقتصادي فقط؛ بل وعلى الجانب الثقافي، والاجتماعي، والسياحي أيضًا.

وأخيرًا، أظن أن الاهتمام بالتقارب الثقافي، والاجتماعي بين مصر، ودول البريكس، ودول إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، بات أمرًا شديد الأهمية، حيث بات العالم في حاجة إلى التقارب، والتعاون والتناغم أيضًا، حول قضايا تمس أمن الدول التي تعاني، ليس فقط من ضغوط الغرب الاقتصادية، وتدخل الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها في سياسات الدول، ولكن لمزيد من التعاون في جميع المجالات؛ من أجل حياة أكثر رفاهة وتسامحًا لشعوب العالم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز