د. دينا عبد الرحمن الدوي
عنوان صريح مباشر باللهجة التونسية الدارجة قد يجعلنا نخمن ما نحن بصدد قراءته، لكن تأكد عزيزي القارئ أنه لن يمكنك تخمين التناول المنفرد لقضية ربما قد تكون طرحت من قبل كثيرا، لكن الإبداع هنا يكمن فى الأسلوب الروائي المتميز والتعبير الواقعي الصادم عن حيواتنا الآنية وخاصة النساء منا.
"زريعة إبليس" تنتمي للروايات النسوية المعتدلة الاتجاه وبعيدة كل البعد عن التعنت النسوي المبالغ فيه لنصرة المرأة، وإنما هو عرض سلس صادق لثلاثة أجيال نسوية "الحفيدة والابنة والجدة" تتضافر حكاياتهن بتكنيك "الفلاش باك" و"التناص"، وهو وجود نص بداخل النص.
وهنا اختارت نسرين رسائل مكتوبة من الجدة لابنتها وتقرأها الحفيدة وتسرد الجدة "أمولة" فيها حكايتها في قالب حكي نسوى منفرد الوصف، فنسبح مع البطلة فى رحلتها للكشف عن الحقيقة.
تبدأ الرواية باستباق زمني فنجد أول تاريخ فب الرواية بالصين عام 2060 كل شىء مميز، كل شىء ثائر فى الرواية، كل شئ صادم.
"زريعة إبليس" حكاية بها قدر من البوح والحكي النسوي، فأخذتنا الكاتبة فى تيار نسوى معتدل لا يشعر معه القارىء بتعنت نسوي بل يبحرالقارىء مع البطلات فى رحلة من التشويق والفهم والمعايشة تصل به إلى مرفأ التعاطف التام، فتعرضت الكاتبة ببراعة إلى مكبوتات البطلات وصراعاتهم وعقدهم وذنوبهم ومعاناتهم مع كشف الحقيقة الكاملة على مراحل حفظت للرواية تشويقها.
طرقت الرواية أيضا فكرة تمزق الذات "فبعض مني هنا وبعض مني عندها فهل تعود لأكتمل"، وحلم الهجرة جسدته إحدى البطلات، ذلك الاختبار القاسي الذى يمر به الكثيرون بين العيش فى كنف الأهل ودفء الوطن وبين تحقيق الأحلام والاستقلال المادى "كان الفراق مريرا ولكن مرارة أخرى فقست وفرخت في داخلى دفعتني للهروب والبحث عن ذاتى.. فكيف لي أن أجدها إذا لم أبحث عنها، كيف لي أن أجدها وأمي تجاهد فى تشكيلى لتنحت مني نسخة باهتة".
يدور لب الرواية حول مسألة بنوة البطلات ونسبهم لأبيهم ومحاولة الإجابة على السؤال الذي أحاط بالأم وابنتها السؤال الذي يسيطر على كيان الابنة: "من أبي!؟"، ومحاولة الإجابة عن هذا السؤال طوال الخط الروائي، فالرواية تبدأ ومن بؤرة الجرح القديم تنزف: "من هو والد حورية؟".
ومن الجرح ينطلق القص والحكي من خلال رسائل الجدة إلى الأم لتقرأها الحفيدة، في تسلسل وترابط يحمل الكثير من مشاعر الأمومة والبنوة، مراوغات الأم فى عدم الإخبار عن من يكون أب الابنة وغموضها فيما يخص طفولتها.
عندما تقرأ "زريعة إبليس" لا تشعر أن هناك بطلة واحدة في العمل الروائي فكل نساء العمل بطلات في روايتهن، يتناغم حكيهن ويتضافر قصهن من جيل إلى جيل بسرد متصل يصف شعور كل منهن بصدق مثير للتعاطف، فحظهن عاثر وموجع توارثنه عن بعضهن البعضن كما يرث الأبناء ثروات الآباء، فهن توارثن المعاناة كما توارثن الوصم وقسوة المجتمع وعقابه.
تجري الحداثة على أرضية نقد البداهات وصيغة التساؤل الشاملة التي شكلت إيقاع الرواية في رحلة بحث عن الذات، لا تجسد الأم صورة الأم المثالية النموذجية المتفانية، هي إنسانة لها آلامها وإحباطاتها وتحدياتها وأسرارها، فهى امرأة وأم ولكن ليست النمط السائد للأم، فهي لها مأساتها المستغرقة بها لسنوات والتي عكستها وشرحتها من خلال الكتابة.
"اللعنة، نسيت أنك زريعة إبليس! كيف لم أنس أن أخبرك أنك بذرة شيطان".. عبارة ألقتها الأم في وجه ابنتها، فالتصقت بها بقية عمرها، توصمت بها وطبعت عليها طوال رحلتها، فمن ناحية تبرز الكاتبة أثر التقاليد الثأرية والقيم التسلطية والقهر والتنميط والوصم مع قيم الحداثة المتجسدة فى العلم ووسائل التواصل الحديثة والاستقلال الاقتصادي.
فالبطلة رغم حداثتها يبيت في داخلها رغبة دفينة في الغوص في مياه بني مطير للوصول إلى الحقيقة، حقيقة نسبها فهي كما قالت لها أمها "أنت زريعة إبليس"، وهي كلمه دارجة تونسية وفي الثقافة المصرية عندما نصف شيئا بأنه لا أصل له نقول أنه "نبت شيطاني"، أي خرج من دون أصل، فعاشت البطلة طوال الرواية متوهمة أنها فقط مجهولة النسب، ولكنها في لحظة تنوير في آخر الرواية اكتشفت أنها متبناه.
تجلت الحداثة أيضا حتى فى تصوير "الموت"، فعملا بمبدأ أن لا شيء فى الأدب يحدث بالصدفة، فقطعا لم تختار الكاتبة طريقة انتحار البطلة التي تشبه كثيرا طريقة انتحار رائدة الحداثة "فيرجينا وولف"، التي اختتمت حياتها منتحرة هي الأخرى.
"لقبك الناشر بفرجينيا وولف التى انتحرت مثلك ورمت نفسها فى النهر.. سأقذف نفسى أمامك غير مقهورة أيها الموت ولن أستسلم"، كانت آخر جملة كتبتها فى روايتها "الأمواج".
لم أجد رواية تثير اقتباساتها رغبتي في تدوينها وتوثيقها وبروزتها مثلما فعلت "زريعة إبليس"، فسترى كثيرات من النساء أنفسهن كاتبات لتلك السطور وحتى وإن لم يكتبنها فعليا، فكتبتها نسرين المؤدب بدلا منهن فقالت: "تهرم القلوب بفقد الحب"، قلت أن "الحب قدر ولكن القدر لا ينصف الجميع"، وأطل الصباح ولكن الظلام ما زال يلفني، و"حلمت بالحرية وخسرت الكثير لأحصل عليها ووعدت نفسي بألا أسمح لأى قوة بحرماني منها مجددا"، و"يقال إن الوحدة تملأ قلوب النساء بالسواد ليلة بعد ليلة فيتكوم الحزن جبالا فى أركان الروح إلى أن يتبدل الدم فى عروقهن وتتغير سحنتهن"، و"أنا حزينة لأن الكثيرات سيعتقدن دوما أنهن قمر مشنوق وليس بمقدورهن التحرر لأن ازدرائهن لأنفسهن أخطر من الوباء نفسه".
عبارات صريحة مباشرة تعبر عن نفسها دون مواربة، تستشعرها على لسان أغلب النساء، وإن لم يقلنها، وفي السياق ذاته، تهدف الحداثة إلى إزالة كل أشكال الإعاقة عن التواصل فتقذف بالمراد فى وجه القراء بشكل صادم حاد ومباشر، فاللافت على نحو دال أن هذا العمل السردي حداثي من الطراز الأول، حيث تجلت مظاهر الحداثة فى العبارات الصادمة التي اعتمدت عليها الكاتبة وألقتها في وجه قراءها.
من أمثلة تلك العبارات: "الهلع رياضة عالمية"، في إشارة إلى الرعب الذى أصاب العالم جراء الكوفيد ومعبرة عن القلق العام الذى هو سمة العصر، ومنها أيضا قول البطلة: "همست للحيطان: لا أريد الإنجاب، أعتبرها جريمة نكراء".. عبارة تجري على لسان أنثى والإنجاب دائما ما كان ودائما ما يكون وسيظل دوما حلم كل أنثى أن تنجب طفلا تشبع به غريزة أمومتها فتسترسل"، فلم نتورط في قدوم وليد يبهجنا حضوره وغيابه محتوم في أي لحظة، ثم ما ذنبه وهو مختوم بشمع الموت بفعل الولادة يصدر حكمه قبل الصرخة الأولى؟، رؤية فلسفية تأملية جرئية لفكرة الموت والحياة!.
وتستكمل جرأتها في عبارات مثل "أنا أنانية! اعتقدت دائما أن أنانيتى أجمل صفاتي"، العبارة الشائعة تقول "المختصر المفيد" وأنا يمكنني وصف عبارات نسرين المؤدب "المختصر البليغ"، فقد قلصت استخدامها اللغوي إلى أقصى درجة، ولكنها كانت تصيب الهدف بهذه الكلمات القليلة وكأنها تخرج من مدفعية ثقيلة، مثلما فعلت في جملة "رتقت غشاءها ونسيتنا جميعا"، ومرة أخرى فى جملة "أنا الأنانية التي تتباهى بأنانيتها"، وكدت أصرخ أن لك ابنة جميلة وأن اسمها حورية وأنها غادرة مثلك، هكذا قيل لى أن الطيبة عكس الذكاء وجملة "لن أموت لأني ببساطة فكرة لم تولد بعد".
عبارات مختصرة بليغة صادمة تقذف بها الكاتبة فى وجوهنا بين الحين والآخر لتكشف لنا واقعنا اليومي وما آلت إليه حياة الإنسان المعاصر في زمن النزعة الاستهلاكية، والتي تعد المظهرالأول والأقوى والأوضح لحداثية الرواية، فنجد تعبيرا منفردا عن قضية صداقة البيئة والحفاظ عليها "لحسن حظي ولسعادة الغابات"، بدلا من الإشارة من قريب أومن بعيد لأهمية عدم قطع الأشجار من أجل إنتاج الورقيات "اختصرتها فى كلمتين "سعادة الغابات"، حداثة فى التعبير واللغة والقالب والإشارة والموضوع.
ألتمس منك العفو يا قارئي المبجل، لأني تجشأت جرحي وحيرتي على أعتابك، لكنى أعترف أني سأسعد لو نزلت من عينيك دمعة آبقه لتبلل صفحات الرواية، لو نجحت وبكيت ستنصفنى دموعك وتطهرنا، معا، الكتابة مهرب من الاحزان أم موطن لها؟!.
كتابه نسرين المؤدب عميقة تحمل الكثير من المرارة، مرارة فقد الام لابنتها أولا ثم مرارة فقد البنت لأمها يصاحبها شعور بالندم وتأنيب الضمير ويا له من شعور موجع، فتقول "تمنيت أن أغمض عينى وأستيقظ من هذا الكابوس لأجد نفسي أمام باب شقتنا فتفتح لي أمي الباب مبتسمة تستقبلني كعادتها بالطعام والكلام لتوقظ بصوتها والروائح الربيع النائم في صدري".
كم أبدعت الكاتبة فى هذا الوصف، فهذه السطور المبكية تعزف على أوتار حب الأمهات، فكل إنسان على هذا الكوكب نقطة ضعفه هي أمه وتعلقه بها، فمن منا لم تكن أجمل ذكرياته هي الأوقات التى كانت تنبعث منها رائحة طعام والدته، فهي بصمة وجود الأم في البيت وهي التي تضفي روحا للبيوت، نعم لقد رسوت بنا الكاتبة على مرفأ التطهر وتحقق الـcatharsis بين سطورها من خلال الطرق على جروح صنعتها الأقدار.
ومن الناحية اللغوية، لجأت الكاتبة إلى اللغة المصفاة، فتحاشت الصور البلاغية المستفيضة الشرح فتصفى اللغة، لتعود إلى حالتها الجنينية بعيدا عن فنون الزخرفة والتوشية، غير أنها ليست أداتية فقط تؤمن بالتواصل في أدنى مستوياته، أي تعيين الأشياء، والأشخاص والأحداث، بل تقارب الصور المرئية التي توصل المعلومة بكلام مختصر وأحيانا آخر، كان للغة بعد تأملي فتهتم بالكشف عن أغوار نفس الراوية والشخصيات الأخرى التي تدور في فلكها، فهي وسيلة للتعبير عن العلاقة بينها وبين الآخر والعالم، ولأنها كذلك فإن الكاتبة أرادتها مصفاة دون بلاغة أي دون وسائط، فأتت مباشرة كأنها تعيد بذلك الألق للحياة العادية المطمورة تحت الركام، مرة أخرى، بساطة سردية، المختصر البليغ.
وتختتم الرواية بفصل "بداية أخرى" فى إشارة إلى عدم الاستسلام أو اليأس للمصير ذاته، بل ستكون هناك بدايات تحمل أملا جديدا ومولدا سعيدا بالحفيدة التي تنتظرها الأم وتستعد لها استعدادا مغايرا لما سلف، فتقول في آخر سطورها في مخاطبة صادمة من أم لجنينها: "أبكي وأصلي وأتضرع للخالق حتى يحسن صنعك.. هل أنت بخير؟ هل أنتِ جاهزة؟، هذا العالم ليس جميلا فى كل حين وأغلب البشر ليسوا لطفاء، ولكني سأحبك ما استطعت".
أبحرت بنا نسرين المؤدب في قارب حداثي وانطلقت بنا إلى أعماق النساء بتفاصيلهن ومخاوفهن ومعاناتهن وجدفت فى قلب موجات الفقد والوصم والهجران وعقدة الذنب: "نعلم من تكونين، لن تهربي يا حورية فأنت مذنبة"، ثم رست الكاتبة بقرائها على مرفأ من الأمل "بفضل الحب ستتواصل الحياة على الكوكب"، إنها سنة الحياة وأنا أحب الحياة، أنا إحدى زخات القطر العنيدة ووحده الماء قادر على زرع بذرة أمل فى جدب القلوب اليائسة.