حسام الدين علي
ومع ذلك، تواجه الصناعة المصرية تحدياتٍ كبيرة تحتاج إلى خطط استراتيجية شاملة للتغلب عليها؛ من أجل خلق آلاف الوظائف كل عام، وتقليل مليارات الدولارات التي تُنفَق على الواردات، وزيادة العملة الصعبة من خلال التصدير.
تحدي التصدير، يجب أن يكون مشروعًا قوميًا، ولا بد أن يتواكب ذلك مع خطط لتوطين صناعات جديدة ومتطورة لها طلب عالمي كبير في الوقت الحالي، وسيرتفع مستقبلًا؛ مثل توطين صناعات الخلايا الشمسية لإنتاج الطاقة الكهربائية المتجددة من الشمس، ومثل صناعات الإلكترونيات، والسيارات الكهربائية، والطائرات الخفيفة، والصناعات العسكرية الجديدة مثل الدرونز وغيرها.
وكذلك العمل علي توطين صناعات ترفع معدلات القيمة المحلية لمنتجات نمتلك، بالفعل، موادها الخام، مثل: القطن، والسيليكا، والفوسفات، والفواكه، والخضروات، والأسماك، ومنتجات الألبان؛ لإنتاج المنتجات النهائية محليًا بدلًا من تصديرها كمواد أولية.
كما يجب توجيه الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة لتطوير الصناعات القائمة؛ مثل: المنسوجات، الصناعات الغذائية، والبتروكيماويات، والتركيز على الصناعات التحويلية؛ لأن هذه الصناعات تضيف قيمة مضافة للمواد الخام، وتخلق فرص عمل جديدة.
دعم التصدير، يتطلب أيضًا، فتح أسواق جديدة ما يتطلب معه أدوار تكاملية لوزارة الخارجية المصرية وممثليها في كل الدول التي نمتلك بها سفارات، ومكاتب دبلوماسية لتعزيز العلاقات التجارية مع إفريقيا، وآسيا، وأوروبا.
كل هذا يجب أن يوازيه الاهتمام بجودة المنتجات، وتطوير المعايير وتحسينها؛ لزيادة تنافسيتها عالميًا. ثم يأتي دور وزارة المالية والتي يجب أن تعمل علي تسهيل الإجراءات الجمركية، وتقليل البيروقراطية لدعم صادرات المشروعات الصغيرة، والمتوسطة.
ولخلق الوظائف، وتقليل الواردات؛ علينا العمل علي تشجيع الاستثمار المحلي، والأجنبي وذلك عن طريق تحسين بيئة الأعمال؛ لجذب الاستثمارات المباشرة، ويجب أن ندرس لماذا خرجت آلاف الشركات من مصر متجهة إلى أسواق مجاورة هروبًا من البيروقراطية، أو طمعًا في إعفاءات ضريبية، أو جمركية.
هذه أمور يجب أن ندرسها، ولا نخجل من مراجعة بعض الإجراءات لاستعادة هذ الشركات مرة أخرى؛ فنحن في حالة تنافس مع جيراننا، ولا بأس من مراجعة خطواتنا قليلًا؛ لأن المستثمر المصري هو من سيجذب المستثمرين الأجانب الذين يريدون الاستثمار فى مصر، ولا بأس من تبسيط الإجراءات الإدارية، وإطلاق منصات رقمية لإنهاء التراخيص.
أيضًا، علينا التركيز علي تعزيز الصناعات الاستراتيجية؛ مثل صناعة الأدوية، والسيارات، والإلكترونيات، لتقليل الاعتماد على الواردات، وهذا لن يتم دون برامج تدريب العمالة، وإنشاء مراكز تدريب متطورة لتحسين المهارات الفنية للعمال، بما يتناسب مع متطلبات السوق العالمية.
لو وضعنا أنفسنا موضع الشاب المصري الراغب في امتلاك مصنع صغير، أو متوسط؛ نجد أن العقبات الإدارية والبيروقراطية المعقَّدة التي يواجهها الشاب المصري من صعوبة في إنهاء التراخيص والإجراءات اللازمة لإنشاء المصنع مع ضعف الحوكمة، وغياب الشفافية أحيانًا، في تخصيص الأراضي الصناعية، واتجاه البعض لـ "تسقيع" أراضي المصانع دون أن يتم سحبها حتى الآن أمر مُعرقِل للرغبة في إحداث قفزات كبيرة في الصناعة المحلية.
وبالنظر إلى التشريعات غير المرنة؛ نجد أن القوانين الصناعية الحالية تحتاج إلى تحديث لمواكبة تطورات السوق؛ لتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهو أمر يجب أن يكون علي أجندة الأحزاب، والحكومة لتمر في البرلمان الحالي، والقادم.
هناك أيضًا، التحديات التمويلية، ونقص التمويل الميسَّر، وارتفاع تكلفة التمويل، وقلة القروض منخفضة الفائدة للمشروعات الصغيرة وضعف الدعم الحكومي؛ بل ومحدودية المبادرات التي تقدم تسهيلات مالية للشباب.
وعلى الرغم من الجهد المبذول من مبادرة "ابدأ"، إلا أن الاحتياج للتوسع في دعم المصنِّعين يحتاج جهودًا أكبر بكثير في ظل محدودية صناديق الاستثمار الصناعي والمتخصصة لدعم المشروعات الصناعية الناشئة، وإنشاء صناديق تمويل صناعي مخصصة للشباب؛ لذا يجب التوسع في تقديم قروض ميسَّرة بفوائد منخفضة، وتحفيز الاستثمار المحلي والاستفادة من الأموال المتكدِّسة داخل البنوك، وتحتاج لاستثمارها في مجالات تخلق وظائف للشباب.
لا يجب أن نُغفِل دور وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني المتواضع في هذا الملف، والذي تبدو آثاره جلية في غياب التدريب المهني الكفء، وضعف التعليم الفني؛ فالمناهج لا تواكب متطلبات سوق العمل، والمراكز التدريبية المتخصصة والمتطورة غير كافية لتخريج كوادر قادرة على التعامل مع الآلات الحديثة، وغرس ثقافة الجودة، والالتزام بالمعايير العالمية للإنتاج لدى العامل المصري.
الصناعة المصرية تحتاج لـ عودة الوعي
وللحديث بقية
*المهندس/ حسام الدين علي
عضو الهيئة التأسيسية لحزب الوعي