البث المباشر الراديو 9090
محمود حمدي حماد
تُعد قضية نفقة الصغار، واحدة من أهم القضايا القانونية، بل والمجتمعية التي تشغل بال المُقنن، والقضاة، والأسر، على حد سواء.

وتعتبر النفقة حقاً واجبًا للصغار تفرض لهم على الوالد بما يضمن لهم حياة كريمة واستقراراً مادیا سواء بعد انفصال الوالدين أو قبل ذلك إذا نشبت خلافات بينهما.

النفقة ليست مجرد التزام مالى، بل هي حق شرعي وقانوني للطفل لا تسقط إلا بتوافر شروط مُعينة في من فُرضت له، کأن يبلغ الطفل خمسة عشر عاماً، قادراً على الكسب بنفسه، ولكن إن أتمها عاجزاً عن الكسب، وذلك لأفة مرضية به أو لانخراطه في التعليم لانشغال أمثاله به، فتستمر النفقة حتى بعد بلوغ الصغير سن الرشد، وتستمر نفقة البنت على أبيها إلى أن تتزوج أو يثبُت أن لها دخلاً مستقلا،
وتفرض نفقة الصغار للأم باعتبارها الحاضنة، ويظل لها الحق في تحصيلها إلى حين بلوغ الأطفال سن المخاصمة القانونية، وبهذا السن أوجب المُشرع على الصغار أن يقيموا الدعاوى القضائية الخاصة بنفقتهم بأسمهم.

وقد حرصت معظم التشريعات العربية على تنظيم أحكام النفقة، وجعلت الأب ملزماً بالإنفاق على أطفاله حتى بلوغهم سن الرشد أو استقلالهم المادي، وتشمل النفقة جميع الاحتياجات الأساسية للأطفال من مأكل، وملبس، وتعليم، ورعاية صحية،
وتحدد المحكمة مبلغ النفقة بناءً على دخل الأب، وحالته المادية والاجتماعية، يسراً وعسراً، وكذا مراعات حال الأطفال واحتياجاتهم.

النفقة، أوجبها المشرع السماوي، قبل أن ينظمها المُقنن الوضعي بالقوانين المختلفة، وذلك حين قال تعالى «وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، وقوله تعالى «لينفق ذو سعة من سعته»، وغيرها من الآيات التي نظمت مسألة النفقة والإنفاق هذه، فنجد القانون المصري ينظم أحكام النفقة في قانون الأحوال الشخصية في مادته رقم 25 لسنة 1920 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985، وتحديداً في المواد المتعلقة بالإنفاق على الأقارب، بما في ذلك الصغار.

النفقة، واجبة على الأب لأولاده الصغار، الذين لا مال لهم، وتشمل الطعام والكسوة والمسكن والتعليم والرعاية الصحية.

تستمر النفقة حتى يبلغ الذكر سن 18 عامًا، أو يستطيع الكسب بنفسه، بينما تستمر للفتاة حتى تتزوج أو تصبح قادرة على الكسب.

المادة 20 من القانون رقم 25 لسنة 1920، تنص على أن النفقة تُحدد وفقاً لحالة الأب المالية وحاجة الأطفال، مع مراعاة المستوى المعيشي الذي كان يعيش فيه الأطفال قبل الانفصال، أما قانون تنفيذ الأحكام "القانون رقم 11 لسنة 1940"، فيسمح بفرض عقوبات على الأب الذي يمتنع عن دفع النفقة، بما في ذلك الحبس أو الحجز على أمواله.

ورغم وضوح النصوص القانونية في ذلك الشأن، فإن التطبيقات العملية محفوفة بالكثير من التحديات والصعوبات أثناء التنفيذ، ففي بعض الحالات يتهرب الأب من دفع النفقة إما بالاختفاء والهروب أثناء التنفيذ أو التلاعب بالإثباتات المالية، اثناء تداول الدعوى أمام محكمة الأسرة، وفي حالات أخرى نجد بعض الأمهات تعاني من طول الإجراءات القضائية، وتعقيداتها، مما يؤخر حصول الأطفال على النفقج، ولكن بتوجيهات القيادة السياسية في مصر، ومنظومة العدالة الناجزة بدأت تتلاشى هذه العقبة، وبات القضاء يحكم في مثل هذه المسألة بأسرع وقت مُمكن طالما استوفت الدعوى، شرائطها القانونية.

على الصعيد الأخلاقي، نجد أن نفقة الصغار تقع على عاتق الأب فالأطفال ضحايا ظروف انفصال الأبوين، ولا يجب أن يتحملوا تبعات الخلافات الأسرية، ومن هنا يجب على الأب أن يُدرك أن النفقة، ليست مُجرد التزام مالي فحسب، وإنما هي مسئولية أخلاقية تُعبر عن واجبه، ومدى حبه لأطفاله، حتى لو كان بعيدًا عنهم.

الأم أيضًا عليها دورًا كبيرًا في ضمان استقرار الأطفال نفسيًا وماديًا، وذلك بالتعاون مع الأب، والعمل على عدم تحويل النفقة إلى أداة للصراع أو الانتقام سواء بحرمانه من رؤية أطفاله أو خلافه، مما يثير حفيظته كأب، فالمصلحة العليا للطفل يجب أن تكون في المقام الأول لهما، وفوق أي خلافات شخصية،
ومن هنا يجب أن تتعاون جميع الجهات المعنية من مؤسسات حكومية، وقضائية، واجتماعية، لإنشاء آليات فعالة وسريعة لتنفيذ الأحكام، كما أن التوعية المجتمعية تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز أهمية النفقة.

أخيرًا، من واجبنا جميعًا أن نعمل على تعزيز هذه الثقافة التي بات يحكمها الهواء والصراعات حتى ينشأ جيل جديد غير مضطرب نفسيًا بل ومتزن أخلاقيًا يعيش في بيئة آمنة مستقرة بعيدًا عن الصراعات المادية والمعنوية، والانتصار للنفس على حساب الصغار.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز