ريهام المهدي
ولا أخفيكَ - عزيزي القارئ - أنّني استوجستُ الخطرَ حينما تحدّث ترامب واثقًا بأنّه يتعيّن على الأردنِّ ومصرَ أن تستقبلا الفلسطينيين من غزةَ، ولم أتوقّع، كحالِ ترامب، الصفعةَ المصريّةَ التي لُقِّنَتْ لكلِّ من توجّسَ فيها التهاونَ أو المقايضةَ على ملفِّ تهجيرِ الشعبِ الفلسطينيِّ، مهما كانتِ الكروتُ الاقتصاديةُ ضاغطةً.
كُلٌّ منّا، سواءٌ كنتُ أنا أو ترامب، تلقَّى صفعةً موجعةً، وإنْ كان الفارقُ أنّني تلقيتُها تأدُّبًا نتيجةَ مخاوفي، بينما تلقَّاها ترامب ضربةً قاضيةً جعلتْ منه محلَّ سخريةٍ واستهجانٍ من شعبِه وباقي حكّامِ ورؤساءِ دولِ العالمِ.
ولا أخفيكَ، قارئي العزيز، ذروةَ نشوةِ سعادتي وفخري حينما أعلنت وزارةُ الخارجيةِ المصريةُ بيانَها المؤكِّدَ لموقفِ مصرَ الراسخِ من رفضِ أيِّ محاولاتٍ لتهجيرِ أو نقلِ الفلسطينيين إلى أيِّ مكانٍ. ولأنّ الصفعةَ كانتْ موجعةً، أعاد "ترامب" تصريحاتِه بأنّه يعتقدُ أنَّ الرئيسَ المصريَّ عبدَ الفتاحِ السيسي "سيفعلُ ذلك، كذلك ملكُ الأردن"، وهنا خرجَ الرئيسُ السيسي أمامَ العالمِ كلِّه بوقفةٍ حاسمةٍ وكلمةٍ لا رجعةَ فيها ولا اهتزازَ، وبمنتهى الحسمِ أكّد أنَّ تهجيرَ الفلسطينيينَ من أراضيهم ظلمٌ كبيرٌ لن تشاركَ فيه مصرُ.
لتتعالى الصيحاتُ وتسبقَها دموعُ الفرحِ بوصولِ المُنقذِ إلى مشرفٍ على هاويةِ الغرق، يمسكُ يدَه ويلتقطُه بقوةٍ وثباتٍ في اللحظاتِ الأخيرةِ قبلَ لفظِ أنفاسِه الأخيرةِ وابتلاعِ القاعِ له، فها هي مصرُ قد تحدّثتْ، وكحالِها المعهودِ، هي التي طالما كانتْ لنا سندًا ولم تخذلْنا أبدًا.
وبهذه الكلماتِ احتفلَ شعبُ فلسطينَ وشعوبُ المنطقةِ العربيةِ باعتلاءِ مصرَ شأنَ ملفِّ المنطقةِ العربيةِ وقوتِها قيادةً وجيشًا في التصدّي لأيِّ مخططٍ احتلاليٍّ، مهما كانتْ قوتُه أو نفوذُه، يهدفُ إلى هدمِ بُنيانِ رعايةِ الشعوبِ والهويةِ العربيةِ.
وهنا يستسلمُ ترامب ويتراجعُ، وتنهارُ معه كلُّ أحلامِه ومخططاتِ إسرائيلَ الاستعماريةِ الطامحةِ. ورغمَ اعترافي بتوجُّساتي من الخطرِ وسوءِ ظنوني، التي كان السببُ فيها عامِلَ الوقتِ، وهو اليومُ الخامسُ بعد تولّي دونالد ترامب مقاليدَ الحكمِ، والقوةَ في الإعلان، إلا أنّني الآن أتساءل: من أين أتَتْ إليه هذه الثقةُ المفرطةُ؟
وخلالَ لقائه مع رئيسِ الوزراءِ الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو، حينما أعلنَ نقلَ الفلسطينيين بشكلٍ دائمٍ من غزةَ، وأنَّ أهالي القطاعِ ليس لديهم بديلٌ عن مغادرةِ المنطقةِ، وأنَّ الولاياتِ المتحدةَ تسعى للسيطرةِ على قطاعِ غزةَ، ومن ثمَّ إعادتهُ إلى الحياةِ بعدَ تحويلِه إلى ما أسمَتْهُ "ريفييرا الشرق الأوسط"، لم تكتفِ تصريحاتُ دونالد ترامب عندَ هذا الحدِّ، بل امتدّتْ لتصريحاتٍ نالتْ منه بعد ذلك، ووضعَتْه محلًّا للسخريةِ حينما قال: "أعتقدُ أنَّ أهلَ غزةَ يجبُ أن يحصلوا على قطعةِ أرضٍ جيدةٍ وجديدةٍ وجميلةٍ، ويتعيّنُ أنْ نطلبَ من بعضِ الأشخاصِ أنْ يتبرّعوا بالأموالِ اللازمةِ لبنائِها".
فردَّ عليه بوريس جونسون، رئيسُ وزراءِ بريطانيا السابق، أمس، بسخريةٍ قائلاً: "إنَّ منتجعَ مار-إيه-لاجو في فلوريدا يُعدُّ مكانًا رائعًا لإعادةِ توطينِ ملايينِ اللاجئين من غزةَ"، ليتراجعَ في ذاتِ الوقتِ مضيفًا استحالةَ حدوثِ ذلك لأنَّ الأرضَ مملوكةٌ لشخصٍ ما، تمامًا كما هو الحالُ في غزةَ.
إلا أنّ القيادةَ السياسيةَ المصريةَ ظلّتْ صامدةً وراسخةً، بالتزامنِ مع تحرُّكاتٍ دبلوماسيةٍ مكثفةٍ قام بها الرئيسُ عبد الفتاح السيسي من أجلِ تكوينِ تحالفٍ دوليٍّ رافضٍ للرؤيةِ الأمريكيةِ وداعمٍ للموقفِ المصريِّ الرافضِ للتهجيرِ.
وبالفعل، نجحتْ مصرُ في تكوينِ رأيٍ عامٍّ عالميٍّ رافضٍ للتهجيرِ، دفعَ ترامب إلى التراجعِ عن تصريحاتِه غيرِ المسؤولةِ السابقةِ، وأعلنَ بمنتهى الخزيِ والاستسلامِ: "أنَّ خطّتَه بشأنِ غزةَ جيدةٌ لكنَّه لن يفرضَها وسيكتفي بالتوصيةِ"، مع عدمِ إنكارِه بأنّه فوجئَ بموقفِ مصرَ والأردنِ الرافضِ للمقترحِ الذي طرحَهُ بتفريغِ قطاعِ غزةَ من سكانِه لحينِ الانتهاءِ من إعادةِ الإعمار، مؤكِّدًا أنَّ قطاعَ غزةَ يتمتّعُ بموقعٍ رائعٍ، إلا أنَّ غزةَ الآن "غيرُ صالحةٍ للعيشِ"، وإذا ما تمَّ منحُ سكانِها الخيارَ، سيخرجونَ منها على حدِّ قولِه، في نوعٍ من أنواعِ المحاولةِ اليائسةِ لتحسينِ ماءِ وجهِه أمامَ شعوبِ العالمِ.
إلا أنَّ واقعَ الأمرِ يؤكِّدُ للصغيرِ قبلَ الكبيرِ، حاضرًا ومستقبلًا، أنَّ فصولَ هذا المشهدِ التاريخيِّ ما هي إلا شهادةٌ اعترفَ بها المعارضُ والمؤيِّدُ على انتصارِ وزعامةِ الإرادةِ المصريةِ الحكيمةِ، التي وقفتْ صامدةً في وجهِ الضغوطاتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ التي مارسَها ترامب، وتوقّعَ أنَّها ستنجحُ دونَ وضعِ أيِّ شكٍّ أو احتمالٍ لفشلِها، لينهارَ ترامب، وترتفعَ مؤشِّراتُ انهيارِ أمريكا بحُكمِ عدمِ تغييرِ الموقفِ المصريِّ والقبولِ بمخططِ التهجيرِ.