البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود‎
كانت تلك المرة الوحيدة التي رأيت فيها الأستاذ لطفي الخولي من قريب؛ ففي منتصف التسعينيات، التقيت معه أمام المصعد، في الطابق الخامس من المبنى الرئيس لمؤسسة الأهرام، وأذكر أنه كان يرتدي سترة بيضاء أنيقة، ويمتشق بين أصابعه سيجارًا، ذلك الذي كان في ذلك الوقت، لا يدخنه إلا عظماء القوم!

كانت نظرته "شاردة متأملة" وأجفلتني قليلًا، لكن هذه الجفلة سرعان ما تبددت، إذ لاحظت أنه كان فقط متأملًا في شيء ما، يدور في عقله هو فقط، ويكاد لا يلحظ وجودي من الأساس.

كان لطفي الخولي شخصًا مهيبًا، تثير أفكاره التقدمية، التساؤلات والتناقضات لدى العقول، فمداخلاته وأفكاره لم تكن سهلة أبدًا، وقد سبقت أفكاره ورؤاه زمنه بكثير، وأدخلته في صدامات كثيرة، و كانت كتاباته أيضًا عميقة، تحتاج لكثير من الجهد لفهم مغزاها، وتحتاج إلى معرفة كبيرة بتاريخ الفكر الإنساني، وبالنوازع النفسية والإنسانية أيضًا، خذ عندك مثلًا، كتاب "المجانين لا يركبون القطار"؛ وهي مجموعة قصصية للكاتب صدرت عام 1996.

وتتناول مجموعة من القصص القصيرة، التي تتناول شخصيات مختلفة، تعيش على هامش المجتمع، وتتنوع هذه الشخصيات بين المجانين والمهمشين والمنبوذين، الذين يعيشون في عالمهم الخاص، بعيدًا عن صخب الحياة وضجيجها، حيث يستخدم الكاتب أسلوبًا ساخرًا وواقعيًا في الوقت نفسه، ليصور لنا حياة هذه الشخصيات بكل ما فيها من غرابة وتناقض.

كان الأستاذ لطفي صحفيًا وكاتبًا فذًا، قال عنه الأستاذ أحمد القديدي، السياسي والدبلوماسي والأستاذ الجامعي التونسي، إنه حين كان عضوًا في المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب التونسيين، التقى وقتها لطفي الخولي، بعد أن كان الرئيس السادات قد أطلق سراحه.

وتعددت اللقاءات بينهما في مناسبات تكررت كثيرًا، بفضل وجود جامعة الدول العربية لسنوات طويلة في تونس، وقال إن الخولي كان يريد أن يعطي لمسؤولياته بعدًا قوميا عربيا، وأن يوظف خبرته واتصالاته وعلاقاته في مجال الفكر القومي، وأن يربط بين الجناح المشرقي والجناح المغاربي للعالم العربي.

وبحسب القديدي، فإن الخولي وُفِّق في ذلك توفيقًا كبيرًا، نظرًا لشخصيته القوية، ودماثة أخلاقه، وسعة اطلاعه، وامتداد شبكة علاقاته العربية، في مجالي السياسة والثقافة.

وحين سُئل الخولي عن الهوية في حديث تليفزيوني قال: "الهوية خلال عقد الجمل تختلف عن الهوية خلال عصر الصاروخ والطائرة، ففي عصر الجمل عند استكشاف الهوية نرى الجمل والصحراء، الإسلام، والعروبة، والحقيقة أن هذا بعد من أبعاد الإنسان، وهي كلها حقيقية، وأصيلة، لا يستطيع الإنسان العربي أن يكون شيئًا بدونها، لكنه لا يمكنه أن يسجن نفسه في هذه الأبعاد فقط".

وأضاف الخولي: "اذا نظرنا إلى مصر، فهي إلى جانب عروبتها وإسلامها لها 4 حضارات سابقة، لا تستطيع أن تنزع نفسها منها، وهي المصرية القديمة، المصرية اليونانية الرومانية، القبطية، والإسلامية العربية، لا تستطيع أن تنأى باسم العروبة عن حوض البحر المتوسط، أو أنها جزء من إفريقيا، أو أنها البلد الوحيد في العالم الإفريقي الآسيوي في الوقت نفسه، أيضًا كيف تستطيع مع إسلامها وغالبية الدين الإسلامي أن تتنكر للبعد المسيحي وللكنيسة المصرية التي كافحت من أجل استقلالها الوطني وكافحت الصليبيين ضمن جموع الشعب المصري".

كان فكر الخولي التقدمي؛ سببًا في أن أصبح واحدًا من أعمدة جريدة الأهرام العريقة، وهو حاصل على دبلوم الحقوق من كلية الحقوق، جامعة فؤاد الأول، ومارس المحاماة في الفترة من 1949 حتى 1963، وفي أثناء ذلك، بدأ العمل بجريدة الأهرام 1961.

واستمر في كتابة عامود رأي سياسي، ثم أصبح رئيسا لتحرير مجلة الطليعة، التي صدرت باقتراح من الرئيس جمال عبد الناصر عام 1965 لتعبر عن "تنظيم طليعة الاشتراكيين"، ولكن هذا الفكر التقدمي، كان أيضًا سببًا في أنه اعتُقِلَ أكثر من مرة، ومع ذلك، بقي رئيسًا لتحرير مجلة الطليعة، حتى جاء الرئيس السادات، حين احتدم الصراع بينه وبين الخولي، على خلفية رفض الخولي لسياسة الانفتاح الاقتصادي.

توفي الخولي عن عمر ناهز السبعين عامًا، وكان في نهاية حياته أحد أبرز دعاة السلام مع اسرائيل، بعد أن بدأ حياته مناضلًا في صفوف اليسار، ومعارضًا لاتفاقية كامب ديفيد.

وصرح الكاتب والمفكر محمود، أمين العالم وقتها، أن وفاة الخولي، تشكِّل خسارة كبيرة جدًا لمصر، برغم خلافه معه في الفترة الأخيرة قبل وفاته، بسبب بيان كوبنهاجن، الذي يدعو إلى تفعيل السلام العربي الإسرائيلي، والذي وقعت عليه مجموعة من المثقفين العرب والإسرائيليين مطلع العام 1997.

وقال محمود أمين العالم أيضًا، إن الخولي - الذي كان عضوًا بارزًا في حزب التجمع الوطني التقدمي حتى العام 1997- ارتبط بالحركة الوطنية والتقدمية منذ الأربعينيات، وكان من أبرز رموز هذه الحركة في الخمسينيات والستينيات.

وعبَّر من خلال مقالاته السياسية والأدبية عن رؤية سياسية وثقافية رفيعة، وأضاف أن الخولي كان شخصية مهيبة قوية مثقفة، ووطنيًا جادًا يحمل رؤية عقلانية، ومثقفًا لعب دورًا فعالا في الحركة الثقافية والسياسية في مصر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز