محمود الروبي
سعت واشنطن إلى تصدير هذا النموذج المزعوم، ليس حبًا في الحريات؛ بل لاستخدامه كسلاح سياسي تُخضع به الدول وتضغط من خلاله على الحكومات التي ترفض الانصياع لإملاءاتها.
غير أن هذه الصورة الزائفة بدأت تتهاوى! وها هي الديمقراطية الأمريكية تكشف عن أنيابها الحقيقية، ليس باعتبارها قيمة إنسانية؛ بل باعتبارها أداة قمع تُستخدم متى ما وافقت المصالح الأمريكية، وتُسحق بلا تردد عندما تصبح حجر عثرة أمام نفوذ القوى المتحكمة في القرار الأمريكي.
قمع الحريات الأكاديمية.. حينما تصبح الديمقراطية خادمة للمصالح
لم يكن المشهد الذي تعيشه الجامعات الأمريكية اليوم سوى انعكاس صارخ لازدواجية المعايير التي باتت تحكم السياسات الأمريكية.
فمع تصاعد الأصوات داخل الأوساط الأكاديمية لانتقاد سياسات إسرائيل، والحرب الدامية فى غزة
شنّت الإدارة الأمريكية مدعومة بالكونجرس، والجماعات الموالية لـ تل أبيب حملة ممنهجة لقمع تلك الأصوات مستخدمة سلاح التهديد المالي، والإداري ضد المؤسسات التعليمية التي تجرأت على السماح بنقاش لا يتوافق مع أجندتها.
تحت غطاء زائف لمحاربة معاداة السامية
تم فرض تعريف مشوَّه لهذا المصطلح؛ بحيث أصبح انتقاد الاحتلال الإسرائيلي يُعامَل كجريمة تستوجب العقاب. تم تهديد الجامعات بقطع التمويل الفيدرالي عنها ما لم تخضع لهذه الإملاءات، وأُجبرت إداراتها على إزالة أي محتوى، أو مقرر دراسي يعزز مفاهيم التنوع، والإنصاف التي طالما تباهت بها الديمقراطية الأمريكية؛ بل إن الأمر بلغ حدًا لم يكن متخيلًا في بلد يدَّعي أنه "مهد الحريات"؛ حيث تمت معاقبة أساتذة جامعيين، وأُغلقت مكاتب أكاديمية، وأُسكتت أصوات طلابية؛ لمجرد تعبيرها عن تضامنها مع فلسطين.
لكن المشهد الأكثر فجاجة، والذي كشف عن الوجه الحقيقي لأمريكا، كان قرار إدارة ترامب بخفض 400 مليون دولار من المِنَح الفيدرالية لجامعة كولومبيا فقط؛ لأنها لم تتخذ موقفًا قمعيًا ضد طلابها المحتجين!
وكأن ذلك لم يكن كافيًا؛ فقد جاء الإعلان عن ترحيل طالب دراسات عليا لمجرد أنه كان أحد القادة المفاوضين باسم الطلاب دون أي دليل على ارتكابه؛ ما يستوجب هذا القرار الجائر. كانت هذه رسالة صارخة لكل من يحاول أن يعارض الأجندة الأمريكية: "إما أن تنصاعوا، أو تواجهوا القمع".
ازدواجية المعايير.. حينما تحاول أمريكا فرض الوصاية على مصر
ما يحدث اليوم داخل الولايات المتحدة، ليس مجرد مشهد عابر؛ بل هو دليل دامغ على أن الديمقراطية التي لطالما تغنَّت بها واشنطن لم تكن سوى أداة ضغط تُشهرها في وجه الدول التي ترفض الخضوع لنفوذها. لم تكن واشنطن يومًا، معنيةً بالديمقراطية كقيمة؛ بل كوسيلة تستخدمها حينما يخدم ذلك مصالحها، وتتجاهلها عندما تكتشف أنها لم تعد أداة فعَّالة للابتزاز السياسي.
وهنا، لا يسعنا إلا أن نستحضر كيف حاولت أمريكا مرارًا، الضغط على مصر باستخدام ملف "حقوق الإنسان" كذريعة للتدخل في شؤونها! وكم من مرة سعت واشنطن؛ لتوظيف تقارير منحازة ومنظمات مأجورة لتشويه صورة الدولة المصرية، وإعطاء نفسها الحق في التدخل تحت ستار "نشر الديمقراطية"!
لكن ها هي الآن، أمام أعين العالم، تسقط في الفخ الذي نصبته لغيرها، لتتحول إلى نظام يقمع حرية التعبير، ويسحق الحريات الأكاديمية، ويُسكِت الأصوات المعارضة بقرارات ديكتاتورية لا تختلف عما كانت تتهم به غيرها.
اليوم، وبعد أن انكشفت هذه الحقيقة، لم يعد لأحد أن يقبل الدروس القادمة من واشنطن، ولم يعد لأحد أن يصدق مزاعمها حول حقوق الإنسان والديمقراطية.. مصر - التي طالما واجهت الضغوط الغربية بثبات - أثبتت أنها دولة ذات سيادة، لا ترضخ للابتزاز، ولا تسمح بأن تكون رهينة لإملاءات الخارج.
ويظهر ذلك بقوة عندما قال الرئيس لن تعلمونا إنسانيتنا.. وحقوق الإنسان ملف شامل للحق فى الصحة، والتعليم الجيد وغير ذلك من الحقوق، وليس الحقوق السياسية فقط التى ظلت دائماً اداة ضغط دولية
الخاتمة: زمن الوصاية الأمريكية قد ولّى
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد حدث عابر؛ بل هو لحظة فاصلة في التاريخ السياسي العالمي. الديمقراطية الأمريكية - التي وُظّفت لعقود كسلاحٍ لإخضاع الدول -أصبحت الآن عارية أمام الجميع، بعد أن كشفت الأحداث زيفها، وانكشفت حقيقتها كأداة انتقائية تخدم الأقوياء، وتُسحَق عندما تهدد مصالحهم.
لم يعد العالم ذلك المسرح الذي تتحكم فيه واشنطن وحدها، ولم تعد الشعوب تُخدَع بالشعارات البراقة التي ترفعها أمريكا بيد، بينما تسحق بها الحريات باليد الأخرى.. مصر - ومعها الدول المستقلة - باتت اليوم أكثر وعيًا، وإدراكًا لهذه اللعبة، وأصبحت أكثر قدرة على صياغة مستقبلها وفق إرادتها، بعيدًا عن أي وصاية، أو ابتزاز.
من الواضح أن القرن الحالي هو قرن سقوط الأقنعة، وانهيار الوهم، وبروز قوى جديدة ترفض أن تكون مجرد بيادق في لعبة الكبار!