أحمد محمود
ويبدو أيضًا، أن النظام السوري الجديد يسعى إلى ترتيب محددات السياسة الخارجية السورية؛ حيث يفصلها عن الكتلة الشيوعية في العالم، بعد ارتباط النظام السوري السابق، بالنظام الشيوعي لفترة تزيد عن 50 عامًا، وهو أمر طبيعي أن يتم تغييره؛ بسبب طبيعة النظام السوري الجديد، وطبيعة التحالف بين جماعة الرئيس السوري أحمد الشرع، الملقب بـ "الجولاني" سابقًا، والولايات المتحدة الأمريكية، التي - كما تردد - ساعدت النظام السوري الجديد على الوثوب إلى السلطة، وكان من الطبيعي أيضًا، أن يسعى النظام الجديد في سوريا، إلى اقامة علاقات مع دول قاطعتها سوريا سابقًا ولفترة طويلة؛ بسبب انتماءات أيديولوجية، ومن أهم تلك الدول كوريا الجنوبية، وكوبا.
كان أحد الأصدقاء قد سألني، فور تشكيل النظام السوري الجديد، عن وجهة نظري في مستقبل النظام السوري، وهل سينجح في استيعاب الموقف؟ ومدى قدرته على إقامة تحالفات جديدة في المنطقة، خصوصًا وأن أعضاء النظام الجديد ينتمون إلى جماعة دينية متشددة.
وقتها أجبت أنه من الضروري التمهل في تحليل وضع النظام السوري الجديد، ومعرفة كيف ستكون خريطة تحالفاته؟ وهل سيتخلى أعضاء النظام السوري الجديد عن انتماءاتهم الأيديولوجية المتشددة، وينخرطون في الشكل العالمي الحالي للدول المدنية، أم أنهم سيضطرون إلى استمرار أيديولجيتهم الموصومة بالتطرف والتشدد، والتي استخدموها في الحرب ضد نظام الأسد حتى تم إسقاطه؟
وسألني أحد الأصدقاء مؤخرًا، أيضًا، عن قرار كوريا الجنوبية، باستئناف علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، مع أن تلك العلاقات انقطعت لفترة طويلة جدًا؛ بسبب تحالف دمشق مع كوريا الشمالية.
والحقيقة أنني أعتقد أن قرار حكومة سيول باستئناف العلاقات مع سوريا هو قرار حكيم، وهو قرار كان ينبغي أن يتم اتخاذه، مننذ زمن طويل أيضًا، بِغَض النظر عن علاقة دمشق بحكومة بيونج يانج، والتي كانت تقوم على أساس شراكة استراتيجية، بسبب انتماء الدولتين إلى المعسكر الشيوعي.
وأظن أن سوريا تدرك أهمية كوريا الجنوبية لمستقبلها، وهو ما كان واضحًا حين أعرب أسعد الشيباني وزير خارجية سوريا، عندما استقبل وفدا رفيع المستوى من جمهورية كوريا الجنوبية، برئاسة نظيره تشو تاي يول"، عن سعادته بتوقيع الاتفاق، وقال على منصة إكس "وقعنا اليوم اتفاقا دبلوماسيا مهما مع جمهورية كوريا الجنوبية، يمهد لتعزيز العلاقات الثنائية ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون في مجالات الاقتصاد، التكنولوجيا، والتعليم، وهو ما يشير إلأى رغبة سوريا في تطوير بنيتها التحتية والتعليمية والتكنولوجية أيضًا.
وأظن أنه من المهم في هذه المرحلة التي مرت بها كوريا الجنوبية أيضًا، بأزمة كادت تعصف باستقرارها الديمقراطي، والتي مرت منها بسلام؛ بسبب ما يعتنقه الشعب الكوري الجنوبي، من حرص على الحرية والديمقراطية، وأن تنظر كوريا الجنوبية إلى النموذج المصري، في السياسة الخارجية بعين الاعتبار؛ فالأنظمة تتغير بمرور الوقت، والعلاقات أيضًا، تتغير وتتطور، ولكن المهم هنا، أن تكون تلك العلاقات "براجماتية" قائمة على المنفعة المتبادلة والاحترام في المقام الأول.
وأظن أيضًا، أنه لا يجب الإفراط في التفاؤل حول مستقبل النظام السوري، وتحالفاته، ولكن من المهم إدراك أن العلاقات السياسية بين الدول، لا ترتبط بأشكال الأنظمة، وهو ما كان سائدًا خلال فترة الحرب الباردة بين القطبين الرئيسيين وهما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية.
وهو أمر انتهى منذ نهاية الحرب الباردة، ويجب أن يتم محو آثاره أيضًا؛ إذ إن العلاقات السياسية بين الدول يجب أن تقوم على مبدأين رئيسيين، أولهما احترام السيادة الوطنية للدول، وثانيهما هو الحياد فيما يتعلق بالشأن الداخلي للدول أيضًا، وهو يرتبط بالمبدأ الأول الذي يتعلق بسيادة الدول على أراضيها، وهو النموذج الذي تحرص عليه الدولة المصرية، والذي يجنبها الدخول في الصراعات المشتعلة في المنطقة حاليًا.
وأخيرًا، أتمنى أن يسود السلام أرجاء العالم في الفترة القادمة؛ إذ إن اشتعال صراعات عديدة؛ بسبب السياسات "الحادة" التي تنتهجها بعض الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية؛ تسببت في احتقان شديد في عالم السياسة؛ وهو ما أدى الآن، إلى اشتعال حروب اقتصادية، وتجارية أيضًا، يخشى الجميع أن تتطور في لحظة ما إلى حروب عسكرية.
وهو ما ينبغي أن تنتبه إليه الدول الراغبة في الابتعاد عن الصراعات والنزاعات المسلحة؛ رغبة منها أن تعيش شعوبها في سلام، تمامًا كما تفعل مصر، وهو ما أتمنى أن تنتهجه الدول كافة، وأن تسفر الأيام المقبلة عن تراجع الصراعات السياسية، وإن كان ذلك حلمًا يبدو صعبًا إلى حدٍ كبير.