أحمد محمود
كانت المرة الأولى التي رأيت فيها الأستاذ إبراهيم، أمام المِصعد في مدخل مبنى الأهرام الرئيس في شارع الجلاء.. وقتها كنت ما أزال طالبًا بالجامعة؛ أدرس الفلسفة، وأظن - بعقلي الصغير - أن الفكر يضع الناس في أماكن متساوية، وأن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس.
هكذا تكلم ديكارت، ولكنني - وقتها - بدأت أدرك أشياء جديدة حول هذا الأمر، حين لاحظت ذلك "الهلع" على وجوه موظفي الاستقبال من إدارة العلاقات العامة بالمؤسسة، وإدارة الأمن أيضًا؛ بل إن مدير أمن المؤسسة، وكان وقتها اللواء العزيز رفيق رفعت، في حالة من التوتر، والترقب! فسألت أحد الموظفين، ما الأمر؟! قال الأستاذ إبراهيم نافع سيصل الآن.
وصل الأستاذ نافع، كان عملاقًا في الحجم، فارع الطول، وكان محاطًا بحراسة مشددة، وفي سرعة شديدة استقل الأستاذ إبراهيم المصعد الذي كان في انتظاره.. كان المشهد مهيبًا بالنسبة لطالب جامعي - لم يعتد هذه المشاهد منذ بداية انطلاقه في الحياة الدراسية، والآن، وهو يستعد لدخول الحياة العملية، متدربًا في إحدى كبريات مؤسسات الدولة؛ بل إنها في ذلك الوقت كانت أكبر مؤسسة صحفية في الشرق الأوسط كله - يرى، لأول مرة، مسئولًا كبيرًا في إحدى المؤسسات في مشهد مهيب كهذا.
كانت مجلة الشباب قد انتقلت إلى مقرها الجديد بالمبنى الجديد الذي انتهى بناؤه، بعد فترة قليلة من انضمامي للمجلة، وهو ما أجَّل اللقاء بالأستاذ إبراهيم نافع، ولكن انتقالي للعمل كسكرتير تحرير فني بالمجلة؛ جعل ذهابي إلى المبنى الرئيس أمرًا متكررًا، لتزيد احتمالات اللقاء بالأستاذ إبراهيم أمام المصعد، وتعددت اللقاءات بالفعل، ولكن لأنني كنت - وما أزال - أعاني من قدر لا بأس به، من الحساسية، من التقرب من القيادات؛ كنت أحرص على ألا يزيد الأمر عن تحية، وإيماءة بسيطة من بعيد للأستاذ، حين يتصادف أن ينتظر هبوط المصعد، وكان هو يرد بإيماءة بسيطة يبدو فيها التواضع، والترحاب أيضًا.
انضممت بعدها - بوقت قصير - إلى فريق تأسيس جريدة "الأهرام إبدو"، والتي تصدر باللغة الفرنسية من المؤسسة، وكان مقرها بالمبنى الرئيس؛ مما أعادنى إلى ذلك المبنى مرة أخرى، ولِتَتَعدَّد اللقاءات مع الأستاذ أمام المصعد، ووقتها نشأت صداقة بيني وبين اللواء مجدي قطب، مسئول حراسة الأستاذ نافع، وكان من إدارة الحراسات الخاصة بوزارة الداخلية، وكان شخصًا دمث الخلق جدًا، وكثيرًا ما كان يمازحني؛ بسبب حساسيتي المفرطة، من التقرب من الأستاذ نافع، والذي يبدو أنه قد لاحظ ذلك أيضَا؛ فبدأ يتعمد أن يجذبني لأستقل المصعد معه، بينما يقف خلفه مجدي قطب ينظر إليَّ، وهو يكتم ضحكته! وحين سألته لماذا يكتم تلك الضحكة، انفجر ضاحكًا، وقال: "الريس بيحبك، بطَّل الحساسية المُفرِطة دي"، وضحكنا.
كان من حسن حظي أنني بانضمامي لجريدة "الأهرام إبدو"، قد اقتربت أكثر من صناعة الصحافة. ومع مضي الوقت زادت معرفتي بأمور الإدارة، وصناعة القرار، وحكايات المؤسسة العميقة، ورأيت مع مرور الوقت، كيف كان الأستاذ نافع عملاقًا في كل شيء أيضًا؛ لم يكن يقبل بأنصاف التطور؛ بل كان يحرص على أن تكون المؤسسة، ذراع قوية من أذرع الدولة؛ فكان يحرص مثلًا، على أن يكون للمؤسسة، نصيب من مشروعات الدولة الكبرى، فإذا أنشأت الدولة مدينة جديدة مثلًا، كان يحرص على أن تتواجد المؤسسة فيها.
حدث ذلك حين صدر قرار إنشاء مدينة 6 أكتوبر؛ فحرص الأستاذ نافع على أن تحصل مؤسسة الأهرام، على مساحة كبيرة من الأرض هناك، حيث أنشأت المؤسسة على جزءٍ منها مطبعة الأهرام الحديثة، وعلى جزءٍ آخر جامعة الأهرام الكندية؛ تلك الجامعة التي أخبرني الزميل العزيز الأستاذ محمد حبيب، مدير تحرير الأهرام ، أن الأستاذ نافع أخبره وقت إنشائها أن هذه الجامعة سوف تنفق يومًا ما على المؤسسة، حين تتعثر مهنة الصحافة!
وهو ماحدث بالفعل منذ عدة سنوات، ولولا تلك الجامعة التي أنشأها الراحل الكبير الأستاذ نافع؛ لما تمكنت مؤسسة الأهرام من النجاة من عدة أزمات، كادت تعصف بها، وتلك رواية أخرى.