ريهام المهدي
فعلى الرغم من أنها خارج دائرة هذا الصراع، إلا أنها ستكون أول ما سيتكبد الخسائر؛ لذا، لم يكن بيد هذه الدول، سوى البحث عن وجهٍ سِلمي داخل هذا السلاح الفتَّاك، لعلها - في النهاية - تجد فيه ضالتها بالعثور على الطمأنينة، والأمان.
بالفعل، اكتُشف لهذا الوحش وجه أليف؛ تمثَّل في توليد الطاقة الكهربائية، إلى جانب بعض الوجوه الأخرى للطاقة النظيفة، كالزراعة، والأشعة الحديثة، والطب النووي، وغيرها؛ ما دفع جميع الدول - سواء الحائزة على السلاح النووي، أو غير الحائزة - على أن تتسابق لحيازة الطاقة النووية.. لقد باتت اليوم، مجالات الطاقة النووية، أوسع وأشمل من مجرد حصرها على كونها مصدرًا لسلاح فتَّاك.
اليوم - وبحسب بيان الرابطة العالمية للطاقة النووية - تعد الطاقه النووية هى ثاني أكبر مصدر للطاقة منخفضة الكربون، وأعلى مصدر لتوليد الطاقة الكهربائية؛ الأمر الذي ترتب عليه انتشار عديدٍ من المنظمات العالمية المتخصصة بهذا المجال، وعلى رأسها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي أنشأت "معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية"، والتي تدور أهدافها حول محورين أساسيين؛ هما نزع الأسلحة النووية مع الحد من انتشارها، ودعم نشر أوجه الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
بالتوقف عند هذه المعاهدة، نجد أنها تلزم الدول الموقِّعَة - غير الحائزة على أسلحة نووية - بعدم الاستمرار في تصنيعها، أو اقتنائها، إلى جانب التزامها أمام الوكالة، بعدم مُساعدة، أو تشجيع أي دولة طرف في المعاهدة غير حائزة لأسلحة نووية على تصنيع أي أسلحة نووية، أو حتى اقتنائها.
من هُنا، كانت مُشاركة مصر بهذا المجال، مُقتصرة على الاستخدام السلمي للطاقة النووية؛ لما فيها من نفع يصُب فى مصلحة الناتج القومي بأكثر من اتجاه.. وبالفعل، لم تتردد القيادة المصرية في اتخاذ قرار حاسم بأن تقوم بتسليم الصك الخاص باتفاقية الأمان النووى إلى رفائيل جروسى، مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، عام 2023، بمؤتمر عقد بجنيف لهذا الخصوص، بعد إقرار من مجلس النواب، ومجلس الوزراء، وبتوجيه رئاسي بضرورة استكمال إنشاء مشروع الضبعة النووي.
وعلى الرغم مما أُثير من معارضة للفكرة آنذاك - لما فيها من ارتفاع بالتكلفة، بالإضافة إلى بعض المخاوف المتعلقة بالسلامة - إلا أن الرؤية بعيدة المدى للقيادة السياسية تغاضت عن كل هذا، واستمرت في الحفاظ على مصر، ومكانتها بأن تظل متصدرة طليعة الدول الداعمة لمنظومة نزع السلاح بالمنطقة، وضمن الدول الملتزمة بمنع الانتشار النووي، مع استمرارها بنشاطها النووي السلمي؛ ليقينها التام بأن الطاقة النووية خلال العقود القادمة هى خيار المستقبل للأجيال الجديدة.
من هنا، جاء استقبال رئيس الجمهورية، السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، للسيد رفائيل جروسي، مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ ليؤكد له تقدير الدولة المصرية لما تقوم به الوكالة من دور حيوي يعزز دعم الأمن، والاستقرار الإقليمي بالمنطقة، والإشادة بما تقوم به من مجهودات دولية تشترط فيها وجوب تحقيق مبادئ عدم الانتشار النووي، على أن يكون البديل لذلك هو اقتصار استخدام الطاقة النووية على التكنولوجيا النووية السلمية لما فيها من خدمة، وتحقيق لأهداف التنمية المستدامة.
أكدت مصر أنها دولة صديقة وداعمة لمتطلبات الوكالة بأن نحقق أمننا القومي من خلال وجودنا بمنطقة آمنة منزوعة من السلاح النووي.. وأن مصر - خلال المرحلة المقبلة - جادة في صب جهودها نحو توظيف الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، معتمدة في ذلك على مشروع المحطة النووية بالضبعة، والذي تنتظر منه بأن يكون بابًا واسعًا ممتدًا سيعزز بدوره علاقات التعاون بين الوكالة ومصر، بشكل وثيق سينتج عنه تبادل ثنائي سيصب في صالح وخدمة الأقتصاد المصري أولًا، وخدمة أمنها القومي ثانيًا، في مقابل تنفيذ سيناريوهات تواكب التنمية السلمية التى تطلبها الوكالة الدولية للطاقة النووية.