عمرو حسين
وقد تجلَّى هذا التغيُّر في إعلان كلٍ من إسبانيا، وفرنسا – إلى جانب دول أوروبية أخرى – نواياها، أو قراراتها بالاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، في حين حافظت ألمانيا على موقف أكثر تحفظًا، وإن كان يشهد بدوره بعض التصدعات الداخلية.
أولاً: دوافع التحول الأوروبي
يعود هذا التحول إلى عدة عوامل متشابكة:
1. العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة والضفة: منذ اندلاع حرب غزة الأخيرة، تصاعدت حدة الانتقادات الأوروبية تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، وخصوصًا مع الأعداد الكبيرة من الضحايا المدنيين، والدمار واسع النطاق.. كما بات الرأي العام الأوروبي أكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين؛ ما شكَّل ضغطًا على الحكومات للتحرك سياسيًا.
2. تصلُّب سياسات حكومة نتنياهو: تتبنَّى حكومة نتنياهو الحالية خطابًا قوميًا متطرفًا، وتضم وزراء من اليمين الديني، واليمين المتطرف؛ مثل إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، وبتسلئيل سموتريتش، وزير المالية؛ ما دفع عواصم أوروبية إلى اعتبار هذه الحكومة غير جادة في السلام؛ بل مناهضة له.
3. التحولات في المزاج الشعبي والنقاش البرلماني الأوروبي: اتساع رقعة التأييد الشعبي في أوروبا للحقوق الفلسطينية انعكس في قرارات برلمانات، ومجالس مدن أوروبية تدعو إلى الاعتراف بفلسطين، وفرض عقوبات على إسرائيل؛ بل ووصف سياساتها بأنها "نظام فصل عنصري" (أبارتايد)، كما جاء في تقارير لمنظمات مثل "هيومن رايتس ووتش"، و"بتسيلم".
ثانيًا: الموقف الإسباني
في مايو 2024، أعلنت حكومة بيدرو سانشيز رسميًا اعترافها بدولة فلسطين، في خطوة وُصفِت بأنها تاريخية، وجاءت بالتنسيق مع أيرلندا، والنرويج.
وتحدث سانشيز عن أن الاعتراف يهدف إلى دعم "حل الدولتين"، وإنقاذ ما تبقَّى من عملية السلام. كما ربط بين هذا الاعتراف، والرفض القاطع لسياسات حكومة نتنياهو، والتي قال إنها "تغلق باب الحل السلمي، وتواصل بناء المستوطنات، وممارسة الحصار".
ثالثاً: الموقف الفرنسي
فرنسا - التي لطالما اتخذت موقفًا دبلوماسيًا متوازنًا بين دعم إسرائيل، والتعاطف مع الحقوق الفلسطينية - باتت اليوم أقرب من أي وقت مضى، إلى الاعتراف بدولة فلسطين.
وفي تصريحات للرئيس إيمانويل ماكرون، ووزيرة الخارجية كاترين كولونا، تحدثت باريس عن "فقدان الثقة في نوايا الحكومة الإسرائيلية الحالية"، مؤكدة أن الاعتراف بفلسطين بات على جدول الأعمال كوسيلة ضغط سياسية، ودبلوماسية؛ لإحياء المسار التفاوضي.
رابعًا: الموقف الألماني
تُعد ألمانيا من أبرز الداعمين التقليديين لإسرائيل في أوروبا، مدفوعة بتاريخها الخاص، وعقدة الذنب المرتبطة بالمحرقة "الهولوكوست".
غير أن الموقف الألماني تجاه التطورات الأخيرة اتسم بشيء من التردد، والحذر؛ إذ لم تعترف برلين بعد بدولة فلسطين، ولكنها بدأت تعبر عن قلقٍ متزايد من سياسات حكومة نتنياهو.
في تصريحات صادرة عن الحكومة الألمانية، أكدت برلين دعمها لـ"حل الدولتين"، ولكنها جعلت في الاعتبار أن "الاعتراف بدولة فلسطين ينبغي أن يتم في إطار تفاوضي شامل، وليس بشكل أحادي".
ومع ذلك؛ فقد شهد الداخل الألماني تصاعدًا في الأصوات الناقدة لسياسة إسرائيل - سواء في الأوساط الإعلامية أو الأكاديمية أو حتى داخل البرلمان "البوندستاغ" - حيث ظهرت مواقف أكثر جرأة من بعض النواب الشباب في حزب الخضر واليسار الديمقراطي.
في المقابل، تحاول الحكومة الألمانية الحفاظ على توازن دقيق بين دعم إسرائيل أمنيًا، وسياسيًا، وبين انتقاد بعض ممارساتها، وخصوصًا في ظل القصف العنيف لغزة، والارتفاع الهائل في أعداد الشهداء المدنيين. كما عبّر وزير الخارجية الألماني عن "قلقٍ بالغ" من تدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع، ودعا إسرائيل إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، في لهجة أقل دعمًا من المعتاد.
خامسًا: أبعاد الاعتراف الأوروبي بفلسطين
لا يحمل الاعتراف الأوروبي بدولة فلسطين آثارًا قانونية مُلزِمة على إسرائيل، ولكنه يحمل دلالات سياسية قوية تتضمن:
شرعنة النضال الفلسطيني على الساحة الدولية.
تحجيم شرعية السياسات الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي.
دفع دول أوروبية أخرى – مثل بلجيكا والبرتغال – لاتخاذ خطوات مماثلة.
إعادة طرح ملف القضية الفلسطينية بقوة في المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية.
قوبل الاعتراف الأوروبي بغضب إسرائيلي واسع؛ حيث استدعت الخارجية الإسرائيلية سفراء الدول المعترِفة، واتهم نتنياهو هذه الخطوات بأنها "مكافأة للإرهاب"! في إشارة إلى المقاومة الفلسطينية. كما تسعى تل أبيب إلى حشد دعم الولايات المتحدة؛ لوقف موجة الاعترافات، ولكنها تواجه حرجًا متزايدًا داخل الساحة الغربية.
يمثل تغيُّر الموقف الأوروبي، وخصوصًا من فرنسا وإسبانيا، لحظة فاصلة في تعاطي أوروبا مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وبينما تزداد عزلة حكومة نتنياهو المتطرفة، يفتح الاعتراف بفلسطين آفاقًا جديدة أمام الدبلوماسية الفلسطينية.
أما الموقف الألماني، فعلى الرغم من أنه ما يزال أكثر تحفظًا، إلا أن مؤشرات التغيُّر بدأت تظهر على السطح، في ظل الضغط الشعبي والبرلماني والحرج الأخلاقي المتنامي من استمرار الاحتلال والعنف.. أوروبا - على ما يبدو - تدخل مرحلة جديدة من إعادة التوازن في علاقتها مع الشرق الأوسط، تكون فيها الحقوق الفلسطينية حاضرة بقوة أكبر في المعادلة.