عمرو حسين
جائحة كورونا
وكانت أولى الرياح عندما هبت جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي، في مطلع عام 2020، وتأثرت حركة الملاحة بقناة السويس نتيجة التباطؤ العالمي في التجارة وتراجع الطلب على السلع والنفط، ما أدى إلى انخفاض نسبي في أعداد السفن العابرة وحجم البضائع المنقولة. وسريعا، تمكنت هيئة القناة من "منع تجلط شريان التجارة العالمي"، بالحفاظ على معدلات تشغيل مستقرة بفضل الإجراءات المرنة التي اتخذتها، مثل منح تخفيضات وحوافز للسفن وتبني سياسات تسعير مرنة، وهو ما ساعدها على الحد من الخسائر ومواصلة دورها كأحد أهم شرايين التجارة العالمية.
السفينة الجانحة
وتحولت حادثة جنوح السفينة EVER GIVEN في 23 مارس 2021 وحتى تعويمها في 29 مارس 2021، إلى قصة يرويها العالم أجمع، ويجعلها درسًا لأطفاله عن بطولة المصريين في 6 أيام.
وانتشرت صورة "حفار قناة السويس" بجوار السفينة الجانحة، ليصبح بطل قصص مصورة للأطفال، ويقدم نموذجا ملهما وباعثا لقيم المثابرة والجد والاجتهاد والثقة والثبات والتأني وغيرها من القيم التي يريد العالم أن يغرسها في أجياله.
ونفذت هيئة قناة السويس مشروعا للتوسعة بطول 30 كيلومترًا، في القطاع الممتد من الكيلو 132 وحتى الكيلو 162 ترقيم القناة، لزيادة معدلات الأمان الملاحي ورفع كفاءة مرور السفن. ويشمل المشروع تعميق المجرى الملاحي ليصل إلى 72 قدمًا، بما يسمح بعبور السفن العملاقة ذات الغواطس الكبيرة.
الحرب الروسية الأوكرانية
ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير 2022، لتؤثر بشكل مباشر على حركة الملاحة في قناة السويس، فقد تراجع حجم التجارة بين روسيا وأوروبا نتيجة العقوبات الاقتصادية وتوقف سلاسل الإمداد، ما انعكس على حركة بعض أنواع البضائع وناقلات النفط والغاز الطبيعي. كما دفعت الأزمة كثيراً من الدول إلى البحث عن بدائل للطاقة الروسية، وهو ما أدى إلى تغييرات في خريطة الشحن البحري، خاصة فيما يتعلق بالغاز المسال القادم من الولايات المتحدة وقطر باتجاه أوروبا عبر القناة.
وتجاوبا مع التحديات، استطاعت قناة السويس الاستفادة من تحولات التجارة العالمية، حيث زادت حركة ناقلات الغاز والنفط القادمة من الخليج إلى أوروبا لتعويض النقص في الإمدادات الروسية. وساعدت سياسات هيئة القناة المرنة في تحويل الأزمة من عبء محتمل إلى فرصة عززت من مكانة القناة كممر رئيسي للطاقة والتجارة العالمية.
العدوان على غزة
وأثر العدوان على غزة، بشكل غير مباشر على حركة الملاحة في قناة السويس نتيجة تصاعد التوترات الإقليمية وتوسع نطاق المواجهة ليشمل البحر الأحمر. فقد أدت الهجمات التي شنّتها جماعة الحوثي على السفن المرتبطة بإسرائيل أو الداعمة لها إلى تهديد طرق التجارة البحرية، وهو ما دفع العديد من شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها والابتعاد عن الممر الحيوي، الأمر الذي انعكس على معدلات العبور وإيرادات القناة.
وانخفضت إيرادات القناة بنسبة 66% مقارنة بعام 2023، وتراجع متوسط العبور اليومي تراجع من 75 – 80 سفينة إلى نحو 30 سفينة فقط. وإجمالي الإيرادات المتوقعة في عام 2025 لن يتجاوز 4 مليارات دولار، على غرار عام 2024، بسبب استمرار التوترات في البحر الأحمر، واستهداف السفن من جانب الحوثيين، والأوضاع المتدهورة في غزة.
مواجهة التحدي
وفي مواجهة التحدي، توجه الفريق ربيع من خلال إدارات الهيئة المختصة إلى تقديم تخفيضات تصل إلى 15% لمدة 90 يومًا للسفن العملاقة التي تتجاوز حمولتها 130 ألف طن، في محاولة لجذب الخطوط الملاحية الكبرى وتشجيعها على العودة إلى القناة.
وتمتلك هيئة قناة السويس 3 ترسانات بحرية؛ اثنتان في مدينة السويس وواحدة في بورسعيد، وقد جرى دعمها بأحواض جديدة، من بينها "حوض فخر القناة" بسعة 35 ألف طن في بورسعيد، والمخصص لإصلاح السفن القادمة من الخارج.
عقود خارجية
وتعمل الهيئة على التوسع في التعاون مع الدول العربية والأفريقية، والترويج للمنتجات الوطنية من الصناعات البحرية، ومنها القاطرتين الجديدتين "عزم 1" و"عزم 2" بقوة شد 90 طن. وتنتج الهيئة قاطرات تتراوح قوة شدها بين 9 أطنان و190 طنًا، وتوجد مباحثات مع ناميبيا لشراء أو تأجير قاطرتين، إلى جانب مفاوضات جادة مع عدة دول أفريقية، منها نيجيريا.
وهيئة قناة السويس في مرحلة مبكرة من توطين الصناعات البحرية، ولا تزال في طور التعريف والترويج خارجيًا، وتنتخ اليخوت والقاطرات واللنشات والكباري العائمة والمعديات. وتتميز منتجات الهيئة بجودة عالية وبأسعار تنافسية تقل بنسبة تتراوح بين 20% و30% عن الأسعار العالمية.
ميناء سرت
ومن أبرز الإنجازات الخارجية للهيئة، إعادة تشغيل ميناء سرت في ليبيا بعد إغلاق دام 14 عامًا، حيث شاركت شركة القناة للموانئ في تعميق وتوسعة الميناء وانتشال السفن الغارقة، ليستقبل أول سفينة في فبراير الماضي. ولدى الهيئة تعاون مع الأردن في مجال إصلاح اللانشات سواء عبر فرق فنية متنقلة أو باستقبالها داخل مصر. وأسست شركة استثمارية في السعودية، وأصبحت متواجدة على منصة الاستثمار.
وأنشأت الهيئة، مصنع لإنتاج البنتونات والشمندورات، في إطار خططها لتعزيز الصناعات البحرية وتقليل الاستيراد وتوفير العملة الصعبة. وأصبحت جميع الوحدات المساعدة للسفن المارة بقناة السويس، صناعة مصرية خالصة.
دخل موازي
وتضع الهيئة هدفا استراتيجيا هو خلق مصدر دخل موازٍ لعائدات قناة السويس، وتوفير فرص عمل كثيفة، ما يسهم في القضاء على البطالة. وتسير بخطى ثابتة وبدعم ومتابعة مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وتشارك الهيئة بنسبة 40% إلى 60% مع ترسانة جنوب البحر الأحمر، ما ساهم في ارتفاع عدد العمال من 300 إلى 1700 عامل خلال عامين فقط، بفضل التوسع في الصناعات البحرية، بما في ذلك مصانع القاطرات واليخوت وسفن الصيد.
ثمرة جهد رجال الهيئة
التحديات التي مرت بها قناة السويس على مدى تاريخها تؤكد قدرتها على الصمود في جميع الظروف الصعبة، وإدارة الأزمات بكل احترافية واقتدار، وهو ما حظى بالعديد من الإشادات الدولية التي حصدتها قناة السويس خلال الآونة الأخيرة. وتأكيد رئيس هيئة قناة السويس، على أن ما تحقق يعد ثمرة جهد رجال الهيئة وإصرارهم على تعزيز مكانة مصر.
استطاع رئيس هيئة قناة السويس، أن يحوّل الأزمات العالمية إلى فرصة مصرية ملهمة، مؤكداً قدرته على إدارة التحديات بأعلى درجات الكفاءة. ففي واحدة من أصعب اللحظات التي واجهت القناة، عندما جنحت السفينة العملاقة، أثبت أنه قائد لا يغرق في مياه الأزمات، بل يسبح بها حتى يصل إلى برّ الأمان. لقد قدّم للعالم درساً في أن الجهد المستمر هو الطريق لتعظيم القدرة وتحقيق الإنجاز، وأن الاستسلام لليأس والإحباط ليس خياراً.
وأثبت ربيع أن الأزمات هي الاختبار الحقيقي لجودة المسؤول، فهي النار التي تكشف المعدن الأصيل وتُظهر القادة الاستثنائيين. لم يكتفِ بإدارة الأزمة باحترافية، وإذا كانت التنمية معركة، فإن الفريق أسامة ربيع بلا شك أحد أبطالها التاريخيين الذين صنعوا فارقاً في حاضر مصر ومستقبلها.
ولعل ما يدعو للتأمل أن تُستوحى من تجربة الفريق أسامة ربيع جائزة رمزية تحمل اسمه، تُمنح للمسؤول الأسرع استجابة للأزمات وأكثرهم قدرة على تحويل التحديات إلى فرص.
وكما اعتاد المصريون تحويل أكبر الأزمات إلى نكات لاذعة، فبعد "متبقاش إيفرجيفن" التي علقت في الأذهان، يمكن أن نقول اليوم: "خليك أسامة ربيع.. وعومها متعطلناش".
إن أعظم ما يقدمه القائد ليس فقط قدرته على إدارة المواقف الصعبة، بل حسن اختياره لفريق عمله وتعظيم قدراتهم بما يتوافق مع إمكانياتهم، وإعدادهم لمواجهة الأزمات المحتملة. هكذا يتحول المسؤول من مدير للأحداث إلى صانع للإنجازات، ويُكتب اسمه في سجل الأبطال الذين صنعوا الفارق في تاريخ وطنهم.