محمود حمدي حماد
حتى وقت قريب، كان مجرد التنقيب عن الآثار لا يُعد جريمة مُعاقَب عليها قانونيًا إذا كان الحفر في أماكن غير خاضعة لهيئة الآثار، ولا سيما إذا لم يُسفر هذا التنقيب عن استخراج قطع أثرية.
وقد عُدِّل هذا القانون عندما ارتأت الدولة ضرورة سنِّه، وتعديله، بعدما رأت زيادة معدلات التنقيب عن الآثار بطريقة غير معقولة؛ فجعلت مجرد التنقيب والحفر جريمة مُعاقَب عليها، سواء تم استخراج آثار، أو كانت هناك شواهد أثرية أم لا.
لا يُعد التنقيب عن الآثار جريمة في حد ذاته، إذا تم وفقًا للقوانين والتراخيص الرسمية؛ ففي معظم الدول، مثل: مصر، والأردن، والعراق، يُنظَّم التنقيب عن الآثار عبر هيئات متخصصة؛ مثل المجلس الأعلى للآثار في مصر، والتي تمنح تراخيص للبعثات الأثرية المرخصة محليًا، أو دوليًا.
وحتى يكون التنقيب قانونيًا يشترط لذلك عدة أمور منها:
1. الحصول على ترخيص من الجهة المختصة.
2. الالتزام بمناطق التنقيب المسموح بها وفقًا للترخيص الصادر.
3. تسجيل القطع الأثرية المُكتَشَفة، وتقديمها إلى الجهات الرسمية.
4. عدم الإضرار بالطبقات الأثرية، أو الممتلكات الخاصة.
أما التنقيب غير المشروع، فيشمل أي حفر، أو بحث عن الآثار دون ترخيص.. وسواء كانت المنطقة أثرية أو غير أثرية، أو تهريب القطع الأثرية، وهو ما يُعاقِب عليه القانون بعقوبات شديدة.
وتختلف العقوبات بين الدول في هذا الشأن، ولكنها عادةً ما تجمع بين الغرامات المالية، والسجن؛ فعلى سبيل المثال:
- في مصر "طبقًا لقانون الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته":
- يُعاقَب بالسجن المشدد، وغرامة تصل إلى 10 ملايين جنيه، كل من نقَّب عن الآثار دون ترخيص، أو قام بتهريبها.
- تُصادَر الأدوات المستخدمة في التنقيب غير المشروع.
وجاء في نص المادة 42 من قانون التنقيب عن الآثار الجديد 2021 بأنه يتم تطبيق عقوبة تتمثل في السجن المؤبَّد، ودفع الغرامة المالية التي لا تقل قيمتها عن مليون جنيه، ولا تتجاوز قيمة الغرامة المالية 5 ملايين جنيه، ويتم تطبيق هذه العقوبة على كل من يسرق الآثار بغرض تهريبها خارج البلاد.
بينما تتمثل عقوبة الحفر للتنقيب عن الآثار في السجن المشدد لمدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تتجاوز مدة السجن 7 سنوات، والغرامات المالية لا تقل قيمتها عن 500 ألف جنيه، ولا تتجاوز الغرامة مليون جنيه مصري، ويتم تطبيق تلك العقوبة على كل من يقوم بهدم، أو إتلاف الآثار أيضًا.
- وفي الأردن "قانون الآثار رقم 21 لسنة 1988".
كما تُجرِّم الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية اليونسكو 1970م، الاتِّجار غير المشروع بالآثاؤ، وتُلزِم الدول الأعضاء باسترداد القطع المُهرَّبة.
وعلى الرغم من التشديدات القانونية، تواجه الدول تحديات كبيرة في مكافحة التنقيب غير المشروع عن الآثار منها:
1. الفساد الإداري وذلك عن تورط بعض المسؤولين في تهريب الآثار!
2. ضعف الرقابة، وخصوصًا في المناطق النائية، والصحاري.
3. الطلب العالمي في سوق الآثار غير المشروعة يجذب عصابات دولية.
لذلك؛ فلا بد من وضع ضوابط، وأسس تواجه تلك التحديات، والصعوبات وذلك عن طريق:
- تعزيز التعاون بين الدول؛ لاستعادة الآثار المهربة.
- استخدام التكنولوجيا- مثل الأقمار الصناعية - لرصد التنقيب غير المشروع.
- تشديد العقوبات على المتورطين، وتوعية المجتمعات المحلية بأهمية الحفاظ على التراث.
وعليه؛ يظل التنقيب عن الآثار مشروعًا إذا خضع للضوابط القانونية، ولكنه يتحوَّل إلى جريمة تهدد التراث الإنساني، إذا تم خارج الإطار النظامي.. لذا؛ يجب تعزيز القوانين المحلية، والدولية، وتكثيف الجهود الأمنية، والثقافية؛ للحفاظ على الآثار كـ إرث عالمي مشترك.