البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
بينما ظل السؤال عن أسباب العمليات العسكرية من الكيان الصهيوني ضد إيران، يراودني منذ بدء تلك الضربة التي بدأ بشنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مقر وزارة الدفاع الإيرانية في طهران، إلى جانب مواقع أخرى مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والتي أدت إلى تبادل للهجمات الصاروخية بين البلدين، وما زالت التوترات تتصاعد بين البلدين منذ ذلك الحين، ومع ذلك لم أجد إجابة منطقية يمكن أن تستند إلى خطة استراتيجية، أو حتى سياسية، تبرر فتح جبهة جديدة، وتوسيع العمليات بلا داعٍ.

قررت أن أسأل محرك الذكاء الاصطناعي؛ إذ إنني وجدتها فرصة أيضًا، لتجربة هذه التقنية، ومحاولة معرفة قدراتها التحليلية أيضًا، فأنا ما أزال أظن أن القدرات التحليلية لمحركات الذكاء الاصطناعي ما زالت تقف عند حد مسح المعلومات بسرعة ودقة، وربما أيضًا، ربطها ببعضها بعضا، دون مقدرة حقيقية على التحليل المنطقي العميق، خصوصا فيما يتعلق بالحدس في الأساس.

جاء تحليل محرك الذكاء الاصطناعي بالترتيب كالتالي:

النقطة الأولى.. كانت الرد على الهجمات الإيرانية، حيث يقرر المحرك أن الضربات الإسرائيلية جاءت في سياق تبادل للهجمات بين البلدين، مع أن الحقيقة أن الضربة الإسرائيلية كانت الأولى على المواقع الإيرانية، وبعدها شنت إيران موجة من الضربات الانتقامية، مما أدى إلى تصعيد التوترات، وهي إجابة ليست فقط غير صحيحة أو دقيقة، وإنما منحازة أيضًا، وهو ما قد يشير إلى انحياز الخوارزميات التي تدير عمل المحرك، أو بالتحديد انحياز المعلومات المتوفرة في قواعد البيانات بمحركات البحث.

النقطة الثانية.. كانت أن الضربات جاءت؛ لإضعاف القدرات الإيرانية؛ حيث تسعى إسرائيل إلى إضعاف القدرات العسكرية والنووية الإيرانية؛ ولذلك استهدفت الغارات الإسرائيلية منشآت نووية وصاروخية إيرانية، في محاولة لتقويض برنامج إيران النووي الذي تعتبره إسرائيل تهديدًا وجوديًا. وهي نقطة كان يمكن أن تأتي في المرتبة الأولى، لكنها ما زالت ليست بمبرر قوي لتوسيع العمليات العسكرية قبل الانتهاء من العمليات في غزة.

النقطة الثالثة.. كانت لتحويل الانتباه الداخلي والخارجي، حيث يرى بعض المحللين أن توقيت هذه الضربات قد يكون محاولة من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتحويل الانتباه عن الأزمات الداخلية التي يواجهها، بما في ذلك الانتقادات الموجهة إليه بشأن إدارة الصراع في غزة والوضع الإنساني هناك. كما قد تهدف إلى تغيير مسار النقاش الدولي بعيدًا عن غزة، وأنا شخصيًا أعتقد أن ذلك قد يكون السبب الأول بالفعل لبدء التحرش بإيران.

النقاط الثلاث الأخيرة بالترتيب - وفقًا لمحرك الذكاء الاصطناعي - كانت:

أولًا- الموافقة الأمريكية الضمنية، إذ تشير بعض التقارير إلى أن العملية الإسرائيلية ضد إيران تمضي قدمًا بموافقة أمريكية ضمنية، مما يمكن أن يكون قد شجع إسرائيل على اتخاذ هذه الخطوة في هذا التوقيت.

ثانيًا- يرى المحرك أن الضربات جاءت لتحقيق الاستفادة من ضعف إيران، إذ تكون إسرائيل قد استغلت ضعف إيران بسبب العقوبات الاقتصادية وتدمير وكلائها الإقليميين، مثل حزب الله، لتوجيه هذه الضربات.

وأخيرًا، يقرر محرك الذكاء الاصطناعي أن الضربات جاءت أيضًا لتصفية شخصيات بارزة، وهو ما أسفرت عنه الغارات الإسرائيلية بالفعل، والتي أدت إلى مقتل عدد من الشخصيات البارزة، وهو - بالتأكيد - هدف استراتيجي لإسرائيل، إذ تسعى سلطات الكيان لإضعاف القيادة العسكرية الإيرانية.

الخلاصة مما سبق، أن محركات الذكاء الاصطناعي يمكنها - بالتأكيد - مساعدة الإنسان في البحث الدقيق عن المعلومات، وأن تنجز تلك المهام التي يمكن أن تستغرق شهورًا بالطريقة العادية، بسرعة ودقة فائقة، ولكنها لا يمكن أن تتفوق على قدرات الإنسان التحليلية؛ سواء في الترتيب المنطقي، أو التحليل المبني على الحدس، والشعور بالخطر أو بالمؤامرة!

الأمر الثاني هو أن محركات الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تستغني عن العقل البشري؛ فهو من يضع لها تقنيات العمل، سواء الخوارزميات التي تُصنف من خلالها النتائج، أو قواعد البيانات التي يمكن الرجوع إليها للبحث عن المعلومات وتصنيفها، وأن هناك مسائل تتعلق بأخلاقيات تشغيل وتطوير تلك المحركات، والتي ينبغي أن يتم بحثها، بحيث لا تخرج منها إجابات منحازة ومضللة، كما حدث في تلك التجربة، وهو موضوع شائك، يتعلق بالسياسة أكثر منه بالبحث العلمي والتقني.

وأخيرًا، أظن أن انحياز محرك الذكاء الاصطناعي في مسألة الهجوم الإسرائيلي على إيران دليل واضح على ضرورة أن تسعى الدول العربية - وأخص هنا مصر بالتحديد - لأن يكون لديها محرك بحث خاص بها، وقواعد بيانات مدققة، خاصة من الأرشيفات التاريخية الموجودة بالمنطقة، قبل أن يتم التلاعب بها وتدميرها أيضًا.

وأظن أن اهتمام الكيان الصهيوني، والغرب عمومًا بامتلاك قواعد المعلومات في العالم والسيطرة عليها، ليس مجرد صدفة، ولكن ستسفر الأعوام القادمة عن الأسباب الحقيقية لتلك الرغبة القوية في السيطرة على قواعد بيانات العالم.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز