البث المباشر الراديو 9090
أحمد ياسر
قبل أيام قليلة، كرّر الرئيس ترامب تأكيده على أن إيران لن تمتلك أسلحة نووية أبدًا، ومع ذلك، ووفقًا لتقديرات الاستخبارات الأمريكية، كانت إيران على بُعد 3 سنوات تقريبًا من القدرة على إنتاج سلاح نووي وإطلاقه، وبينما كانت إسرائيل تُعدُّ حجّتها للحرب، لم تُصدّق الولايات المتحدة ذلك.

المشكلة هي أن ترامب اقتنع!

وفي خضمّ ذلك، تحوَّل مفهومٌ مُضلِّلٌ للأمن القومي الإسرائيلي إلى رؤيةٍ أكثر تناقضًا للأمن القومي الأمريكي، ومن المفارقات أن إيران عضوٌ في معاهدة حظر الانتشار النووي، التي تنتهكها إسرائيل.

قبل أيام قليلة، أصدر قادة دول مجموعة السبع بيانًا مشتركًا ينصّ على أنه لا ينبغي لإيران امتلاك أسلحة نووية، مؤكدين حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وبعد 7 أكتوبر 2023، لجأت هذه الدول إلى حجةٍ مماثلة، ممهّدةً الطريق أمام الفظائع والإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية.

قبل أيام قليلة، أصرت إدارة ترامب على سعيها للتوصل إلى حل سلميٍّ في المحادثات الأمريكية - الإيرانية، معارضةً الخطط العسكرية الأحادية الجانب التي وضعتها حكومة نتنياهو الحربية.

ومع ذلك، بحلول 17 يونيو 2025، صرّح الرئيس ترامب بأن الولايات المتحدة طالبت إيران بـ«استسلام غير مشروط»، مهددًا حياة المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي.

يُذكِّرنا هذا الوضع بعصابات الاحتكار الإمبريالية الغربية في أواخر القرن التاسع عشر، وبالشكل الذي يبدو عليه «النظام الدولي القائم على القواعد» المُروَّج له في أوائل القرن الحادي والعشرين، حين تصبح الأمور مُعقدة وتصبح القوة هي صاحبة الحق على حساب دول الجنوب العالمي.

قبل وقت ليس ببعيد، كانت المفاوضات الإيرانية الأمريكية لا تزال تبدو واعدة، لكن التوقعات عادت للتراجع فجأةً يوم الخميس 12 يونيو، عندما أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران لا تمتثل لالتزاماتها النووية.

أدى ذلك إلى سلسلة من الجهود الدبلوماسية لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على طهران في وقت لاحق من هذا العام.

ومن الغريب أنه قبل أسبوع واحد فقط، أفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية (IRIB) بأن أجهزة الاستخبارات الإيرانية حصلت على كمية كبيرة من المواد الحساسة من إسرائيل، بما في ذلك وثائق تتعلق بمنشآتها النووية واستراتيجيتها السرية.

ومع احتدام النقاش الدولي حول قضايا الامتثال للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدأت وسائل الإعلام الإيرانية بنشر صور للوثائق المتعلقة بالبرنامج النووي الإسرائيلي التي حصلت عليها طهران، مدعية وجود تواطؤ بين الوكالة وإسرائيل.

في يوم الجمعة 13 يونيو، بدأت إسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، شملت غارات جوية وعمليات سرية مزعومة، وتعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمواصلة الهجمات «لأي عدد من الأيام»، مستهدفًا على الأرجح «التهديدات الوجودية» التي يشكّلها البرنامج النووي الإيراني وصواريخه الباليستية.

وفي رسالة إلى الأمم المتحدة، وصف وزير الخارجية الإيراني هجوم إسرائيل بأنه «إعلان حرب»، داعيًا مجلس الأمن الدولي إلى معالجة هذه القضية على الفور.

هذه التطورات الخطيرة، التي تدعمها أوروبا أيضًا، تحدث على خلفية استمرار الحرب بالوكالة بقيادة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوكرانيا ضد روسيا، وجرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية.

في الوقت نفسه، مثّلت الدبلوماسية الأمريكية، بما في ذلك محادثات المبعوث الخاص ويتكوف والتطمينات الشخصية للرئيس ترامب، حيلةً ثنائية، للتغطية على الهجوم الإسرائيلي المفاجئ.

وبناءً على التضليل الإعلامي، حققت حملة الخداع هذه فوائدَ استثنائيةً على المدى القصير، وفي الوقت نفسه، من المرجّح أن تقوّض مصداقية الولايات المتحدة الدولية لسنوات قادمة.

تحييد محور المقاومة الإيراني

منذ الثورة الإسلامية، عندما جمّد الرئيس كارتر مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية، سعت واشنطن إلى إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل عام 1979 في إيران، إذ كان حكم «الشاه» آنذاك هو ما جعل إيران آمنة للرأسمالية الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب، بفضل الانقلاب الأمريكي-البريطاني عام 1953، والمساعدات العسكرية الأمريكية، والشرطة السرية الإيرانية المروّعة، التي درّبتها إسرائيل جزئيًا.

ومع ذلك، انتقلت مبادرات تغيير النظام الأمريكية إلى مرحلة جديدة خلال إدارة بوش الابن، فمنذ عام 2003، أجرى الجيش الأمريكي تحليلًا يُسمّى «تيرانت» (مسرح إيران على المدى القريب) لحرب شاملة مع إيران.

وفي مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، نشرت الولايات المتحدة وإسرائيل فيروس ستوكسنت، أول سلاح إلكتروني هجومي في العالم، لتدمير ما يقرب من خُمس أجهزة الطرد المركزي النووية الإيرانية.

وفي عام 2015، أسفرت سنوات من المحادثات الصعبة عن اتفاق نووي (خطة العمل الشاملة المشتركة، JCPOA) بين إيران والولايات المتحدة ومجموعة من القوى العالمية، ورغم التزام إيران بالاتفاق، فإن إدارة ترامب، في إطار حماسها المناهض لأوباما، سحبت الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018.

كان الهدف النهائي هو القضاء على محور المقاومة الذي تقوده إيران في المنطقة. ومن هنا، جاء قبول إدارتي بايدن وترامب الضمني لإبادة إسرائيل لغزة، وتدمير معاقل حزب الله في جنوب لبنان، وجهود الحكم والتقسيم في سوريا والعراق، وقصف الحوثيين في اليمن.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز