أحمد ياسر
هذا الانسحاب الثاني، المتجذر في شبكةٍ معقّدة من الدوافع السياسية والثقافية، يُمثّل قرار واشنطن في يوليو 2025 بانسحابها مجددًا من المنظمة، والذي يدخل حيز التنفيذ في ديسمبر 2026، لحظة فارقة في العلاقة المعقّدة بين الولايات المتحدة والنظام العالمي متعدد الأطراف.
تنطوي هذه القرارات، مدفوعةً بمزيج من الدوافع السياسية والثقافية، على تداعيات جوهرية على الحوكمة العالمية للثقافة والتعليم، مع عواقب محددة وملحوظة على الدول الغنية بالتراث، مثل مصر.
يُحاكي مبرر إدارة ترامب للانسحاب انسحابها السابق في عام 2017، والذي يُركّز على اتهامات بـ"التحيّز المتأصّل ضد إسرائيل" داخل المنظمة، لا سيما فيما يتعلق بالقرارات المتعلقة بمواقع التراث الفلسطيني.
وبعيدًا عن هذه المظالم القديمة، قدّم إعلان عام 2025 بُعدًا جديدًا من النقد الثقافي، مُنتقدًا اليونسكو بشدة لترويجها "قضايا ثقافية واجتماعية مثيرة للانقسام" و"أجندة أيديولوجية عالمية".
وربما يتماشى هذا الخطاب مع السياسة الخارجية الأوسع للإدارة الأمريكية، والمتمثلة في "أمريكا أولاً"، والتي تنظر إلى العديد من الهيئات الدولية بعين الريبة، مفضّلةً التفاعلات الثنائية على الالتزامات متعددة الأطراف.
وهكذا، تتجذّر الدوافع السياسية بعمق في الرغبة في فك ارتباط الولايات المتحدة بالأطر الدولية التي تُعتبر مقيّدة لسيادتها أو تتعارض مع مصالحها الوطنية.
هذا الانسحاب ليس حدثًا معزولًا، بل هو جزء من نمط أوسع من فك الارتباط أو إعادة التفاوض بشأن المشاركة في المؤسسات العالمية.
ثقافيًا، يعكس موقف الإدارة جدلًا ثقافيًا محليًا، يُسقِط المخاوف بشأن سياسات الهوية والأجندات الاجتماعية التقدّمية على الساحة الدولية.
نظرة من القاهرة: التراث والدبلوماسية ومستقبل غامض
بالنسبة لمصر، وهي دولة تتشابك هويتها واقتصادها بعمق مع تراثها الثقافي الفريد، يُمثّل انسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو تحدّيًا معقدًا له تداعيات مباشرة وغير مباشرة.
وبينما قد لا يُوقف الفقدان الفوري للمساهمات الأمريكية في الصندوق العام لليونسكو مشاريع محددة في مصر بشكل مباشر، إلا أن الآثار الأوسع نطاقًا على مشاركة الولايات المتحدة في الحفاظ على التراث الثقافي ربما تُثير القلق.
لطالما كانت الولايات المتحدة شريكًا ثنائيًا رئيسيًا في الحفاظ على الآثار المصرية، وغالبًا ما عملت بالتوازي مع أهداف اليونسكو أو دعمًا لها.
إن أيديولوجية "أمريكا أولاً" التي تدعم انسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو تثير القلق في البلدان الأثرية والتاريخية بشأن مستقبل هذا التمويل الثنائي الحيوي، وقد تكون الإدارة الأمريكية، التي تنظر بريبة إلى المشاركة الثقافية متعددة الأطراف، أقل ميلًا لإعطاء الأولوية لتمويل الحفاظ على التراث الثقافي في الخارج، حتى من خلال القنوات الثنائية.
يُعد توقيت الانسحاب مهمًا أيضًا لطموحات مصر الدبلوماسية؛ فقد رشّحت القاهرة الدكتور خالد العناني مرشحًا لمنصب المدير العام لليونسكو، وهو ترشيح حظي بدعم الاتحاد الأفريقي.
ويمكن اعتبار انسحاب الولايات المتحدة فرصةً لدول أخرى، بما فيها مصر، لتولي أدوار قيادية أكبر داخل المنظمة، ومع ذلك، فإنه يُنشئ أيضًا مؤسسة أكثر استقطابًا.
مصر ملتزمة بالاستمرار في الإطار متعدد الأطراف للحفاظ على التراث الثقافي، ومن خلال دعمها لمرشحها لقيادة اليونسكو، تُصر مصر على البقاء لاعبًا رئيسيًا في المشهد التراثي العالمي، حتى مع تراجع الولايات المتحدة.
باختصار
يُعد انسحاب إدارة ترامب من اليونسكو حدثًا متعدد الأوجه وذا عواقب بعيدة المدى، إنه مظهر واضح لأجندة سياسية وثقافية تُعطي الأولوية للمصالح الوطنية على التعاون متعدد الأطراف.
ويسلط هذا الوضع الضوء على التفاعل الدقيق بين السياسة العالمية والدبلوماسية الثقافية والمسؤولية المشتركة عن حماية التراث العالمي.
وقد شكّل هذا الحدث تذكيرًا صارخًا بالروابط المعقّدة بين السياسة الدولية والحفاظ على التراث الثقافي، والسعي الدائم لحماية الإرث المشترك للبشرية.