محمود الروبي
هل تستحق مصر بعد كل هذا أن يهاجمها بعض المأجورين، أو المتحمسين دون وعى؟! فمن يغلق المعبر حقًا؟! ومن يمنع دخول الشاحنات؟! ومن يقصف المساعدات عند البوابات؟! من الذي يغتال الحياة من الطرف الآخر، ثم يُشير بأصابع الاتهام إلى مصر؟! إنها إسرائيل، ومَن لا يسميها بالاسم شريك في الجريمة.
مصر - وعلى الرغم من كل الضغوط والتهديدات والظروف الداخلية - لم تُغلِق معبر رفح يومًا في وجه فلسطيني، ولم تتوانَ عن تقديم كل ما تمتلك؛ بل كانت هي الدولة الوحيدة التي قاومت، ووقفت وحدها على الحافة، تُدخِل الغذاء، والدواء، وتستقبل الجرحى، وتمنع تهجير السكان، وتقول لا حين صمت الجميع.
بل إن مصر - باعتراف دولي واضح - هي أكبر دولة في العالم أدخلت مساعدات إلى غزة منذ بداية الحرب. فوفقًا للهلال الأحمر المصري، ووكالات الأمم المتحدة، فإن أكثر من 80% من المساعدات التي دخلت إلى غزة كانت عبر معبر رفح من الجانب المصري، في وقت كانت فيه المعابر الأخرى مُغلقة، والشاحنات تُقصَف، والاحتلال يضع العراقيل المتعمَّدة!
شهادات دولية.. لا مزايدات إخوانية
ولمن لا يزال يتعامى عن الحقائق، فقد جاء الاعتراف الصريح من قلب أوروبا، وعلى لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والذي قال من القاهرة: "إسرائيل هي من تُغلق المعابر، ومصر تبذل جهدًا خارقًا لإدخال المساعدات".
وقال أيضًا: "نحن هنا بدعوة من مصر التي تحمَّلت عبء المعاناة الفلسطينية، ونشكرها على دورها الإنساني والسياسى"، وانتهى الأمر بماكرون بالاعتراف بدولة فلسطين.
كما وقف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، عند معبر رفح، وقال للعالم: "أنا هنا لأشهد بأن مصر تقوم بدور بطولي في إيصال المساعدات، وتعمل بلا كلل على الرغم من القيود المفروضة من إسرائيل".
فأين أنتم من هذه الحقائق؟! وأين كانت كل هذه الأصوات التي تهاجم مصر حين كانت شاحنات الهلال الأحمر المصري تُقصَف على مشارف رفح؟! وأين كانوا حين رفضت مصر تهجير أهل غزة إلى سيناء؟!
مصر وحدها مَن قالت "لا"، لا للوطن البديل، لا للتفريغ السكاني، لا للمؤامرة الكبرى التي تريد تحويل الصراع من احتلال إلى لجوء، ومن مقاومة إلى نفي جماعي.
مصر حين تتحرك العروبة بالفعل، لا بالشعارات، لم تتاجر بالقضية، ولم تزايد كما فعل غيرها، لم تنشر صورًا؛ بل فتحت مستشفياتها. لم تطلق تصريحات؛ بل تحركت سياسيًا، وإنسانيًا، ودبلوماسيًا، في كل الاتجاهات.
ومع ذلك، فإن بعض الأبواق، من بقايا الإخوان، وخَدَم المنصات المأجورة لا يرون في كل هذا إلا فرصة للهجوم، والانقضاض على الدولة، وتحريض الشارع، وتكرار سيناريو الفوضى الذي احترق على أبواب القاهرة ذات يوم.
لكن هذه المرة، الفارق واضح، الشعب يعرف، ويُفرِّق، ويُدرك مَن يُساعد فلسطين حقًا، ومَن يتاجر بها من خلف الشاشات، هذا موقفنا بلا خجل، ولا تردد.
إن فلسطين تعرف مَن معها، وتُدرك أن مصر، على الرغم من أنها تواجه تحديات اقتصادية صعبة، إلا أنها لم تتخلَّ يومًا عن دورها العربي، ولم تسكت حين صمت العالم، ولم تساوم حين ساوم بعضهم.
فيا من تُحمّلون مصر وزر الاحتلال، وتهاجمون معبر رفح من مكاتب خارجية مُرفَّهة، عودوا إلى ضمائركم..
واسألوا أهل غزة: من الذي يُطعمهم؟! من الذي يستقبلهم؟! من الذي يرفض تهجيرهم؟! ستسمعون الإجابة التي لا تحتاج إلى ترجمة: مصر ومَن غيرها؟!