البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
حين وجَّه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام القومي المصري، وذلك بالاستعانة بكل الخبرات والكفاءات المتخصصة، بما يضمن مواكبة الإعلام الوطني للتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، ويُمكنه من تحسين رسالته بما يتماشى مع توجهات الدولة المصرية الحديثة، والجمهورية الجديدة - سألني أحد الزملاء عن آفاق تنفيذ تلك التوجيهات.

هل ستنجح الدولة في وضع تلك الخارطة، خاصة وأن هذه ليست المرة الأولي التي يطالب فيها السيد الرئيس بإصلاح الإعلام الوطني؟ لكن ما يحدث بالفعل أن الأمور تسير كما هي سائرة، دون أي تحسن!.

نظرت إلى الزميل العزيز، وقد علت وجهي ابتسامة، حاول هو تفسيرها، إن كانت ابتسامة تفاؤل، أم ابتسامة أمل، أو يأس أيضًا، ودون أن أفصح له عن مغزى تلك الابتسامة، قلت له، هل تعلم أنني كتبت من قبل مقالًا بعنوان "الإدارة والمنطق" في أمر يشبه هذا الأمر بالتحديد؟! أجاب الزميل بالنفي، وقال: أنت تعلم أننا على الرغم من أننا نكتب كثيرًا، فإننا في مهنتنا تلك صرنا نقرأ قليلًا أيضًا! ربما بسبب تسارع الأحداث، وربما بسبب الكسل أيضًا. علت وجهي ضحكة، وقلت له نعم، أعلم ذلك، يبدو أن زمن القراءة بشغف قد ولَّى يا عزيزي.

قلت للزميل: دعني أخبرك عن قصة هذا المقال الذي كتبته من قبل، على خلفية تقديم نصائح قدمتها لصديق يمتلك مؤسسة، بناء على طلب منه، هذه المؤسسة التي يمتلكها، ويديرها، تعاني من مشكلات إدارية كبيرة، وهو كلما حاول إيجاد حلول لها، تظل النتيجة كما هي، دون تغير، لا هي تُحَل، ولا حتى تتعقد، وكأنه حرث في البحر! وكأنه أيضًا، لا يبذل جهدًا، ولا وقتًا على الإطلاق في التطوير، وهو ما أصابه بالدهشة، واليأس في آنٍ واحد.

كان صديقي قد أخبرني إن شركاته، تعاني - شأنها شأن معظم المؤسسات في تلك الفترة الحرجة - من تراجع الأعمال، وتدنى الإيرادات، وتوقف حركة البيع، وأن ما يحققه من إيرادات يكفى بالكاد سداد أجور العاملين، وأنه على الرغم من محاولاته وتفاؤله، فإنه يخشى أن يضطر لتصفية أعماله؛ بسبب تردى أوضاع شركاته وقتها، وخاصة في حال استمرار جائحة كورونا.

وقتها سألته: هل فكرت فى تطوير منتج شركاتك؟ قال: بالتأكيد، لقد جئت بأحد أفضل مصممي الجرافيك وقام بتطوير شكل المغلفات لتكون جذابة أكثر، أخبرته أن هذا أمر جيد يُسهم في جذب الانتباه للمنتج ثم سألته: هل طورت المنتج نفسه؟ أجاب: حاولت، لكن أداء العاملين لم يساعد على ذلك؛ فالعاملون بحاجة إلى كثير من التدريب، ناهيك عن ارتفاع متوسط أعمارهم؛ ما يجعل من الصعب عليهم مواكبة التطورات الكبيرة والسريعة والمتلاحقة فى مجال عملنا.

وقتها أيضًا سألت صديقي: هل فكرت فى إجراء تغييرات فى القيادات الإدارية لشركاتك؟ قال: نعم، بالتأكيد، فكرت عدة مرات، وقمت بتغييرات طفيفة، ولكن النتيجة لم تتغير، ثم فكرت فى إحلال قيادات شابة محل القيادات القديمة، ولكنني خشيت من نقص خبرتهم وبصراحة، أفضِّل العمل مع القيادات القديمة الذين أعرفهم، فأنا أثق بهم أكثر.

وعندها قلت له: يا صديقي العزيز، تعلمنا في المنطق أن المقدمات المتشابهة، تؤدى حتمًا إلى نتائج متشابهة، وتعلمنا فى الإدارة أن أهم عوامل النجاح، هى قدرة المدير على المخاطرة وحساب المخاطر، واتخاذ قرارات جريئة أحيانًا، وهى مسائل تخشى أنت من اتباعها، فكيف تتوقع إذًا أن تتغير نتائج محاولاتك؟! عليك أن تعيد حساباتك فيما يتعلق بتدريب العاملين لديك، واختيار القيادات من حولك، وأن تدرك أن المتغيرات السريعة التى تطرأ على العالم من حولك، تقتضي أن تواكبها بتطوير أدائك، ورؤيتك للعمل.

نظر إليَّ زميلي وقد علت وجهه ابتسامة، وكأنه يريد أن يقول ما علاقة ذلك بذاك؟! ودون تردد، قلت له: يا عزيزي، هي المسألة نفسها، إن مجرد القيام بمراجعة بسيطة للمؤسسات القومية العاملة بمجال الصحافة والإعلام، سيشرح لك، أنه ليس ثمَّة تغيير حقيقي حدث في تلك المؤسسات الصحفية والإعلامية القومية على مدار السنوات الـ 10 الأخيرة، هذه المراجعة سوف تكشف - بكل بساطة - كيف أن الوجوه الحالية البارزة في تلك المؤسسات، هي الوجوه نفسها تقريبًا منذ 10 سنوات! وأن غالبية القيادات الموجودة حاليا أيضًا، هي القيادات نفسها، ولكنها كانت في مواقع أخرى، وتمت الاستعانة بها في أماكن مختلفة!

وأيضًا، استراتيجيات الإدارة، هي الاستراتيجيات نفسها التي تستخدمها تلك المؤسسات، ولم تتغير، وهو أمر طبيعي يتماشى مع ثبات الأشخاص في مواقعها، وهو ما يطرح التساؤل بصدق: كيف تتوقع الدولة أن يحدث تغيير في مستوى الصحافة والإعلام؟ وإذا كانت المقدمات لم تتغير، فكيف تتغير النتائج يا زميلي العزيز؟!

ذلك هو المنطق، والذي تعلمنا بدراسته أن المقدمات المتشابهة، تُنتِج - حتمًا - نتائج متشابهة أيضًا. والآن فإن الدولة إذا أرادت أن تغيِّر منتوج الصحافة والإعلام، فسيكون عليها - حتمًا - أن تغير المقدمات أولًا، تلك هي المسألة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز