أحمد محمود
كان من اللافت حين التحقتُ بمؤسسة الأهرام في أوائل التسعينيات وجود سيدات على مستوى عالٍ من الأناقة والرقي، وكنت أكنّ لهن قدرًا كبيرًا من الاحترام، فكنت أحرص دائمًا على أن أتوقف حين يسرن أمامي، مفسحًا الطريق، وأن أكون مبتسمًا مقدمًا التحية لهن. وكانت الراحلة سهير هدايت واحدة من هؤلاء، إذ كنت أحرص على تحيتها كلما التقيت بها مصادفة في أروقة المؤسسة، وكانت ترد التحية بتواضع شديد، رغم أنه كان باديًا عليها أنها لا تعرفني أصلًا. ثم حين انتقلتُ للعمل بمجلة "البيت" للفنون والديكور عام 2009 لإنشاء موقع المجلة على الإنترنت، إذ كنت قد تخصصت مبكرًا جدًا في الصحافة الإلكترونية، ربما عرفت سهير هدايت حينها من أكون!
كانت بداية الصداقة المتينة بيني وبين سهير في عام 2011، حين التقينا مصادفة ضمن مجموعة من المشاركين في مؤتمر عقدته وزارة الخارجية الإندونيسية وجامعة "يودايا" – ومقرها جزيرة بالي – بالعاصمة جاكرتا، تحت عنوان: "مصر وإندونيسيا – الدروس المستفادة". أذكر من المشاركين الأستاذ محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية، والراحل اللواء الدكتور قدري سعيد، والسفير حسين الكامل، والمحامي أمير سالم، والسيدة جميلة إسماعيل، رئيسة حزب الدستور. وكان ذلك عقب ثورة 25 يناير. وقتها بدأت أتعرف على الأستاذة سهير هدايت عن قرب؛ كانت تشعر بخوف شديد على مستقبل مصر، بينما كنت أشعر – رغم الخوف الظاهري – أن المستقبل أفضل، وكنت أقول لها: مصر دولة مؤسسات، ولا يمكن أن تسقط أبدًا مهما كان حجم المؤامرة.
اكتشفنا في تلك الرحلة أننا، رغم ما كان يبدو ظاهريًا من اختلاف في التحليل والرؤى حول الوضع، كانت مخاوفنا واحدة، وأن حب مصر والخوف عليها كانا القاسم المشترك بيننا. وكان هذا الحب والخوف هو نقطة الالتقاء التي صنعت بيننا صداقة، قل أخوة، وربما بنوة أيضًا، كما كان يبدو لي أحيانًا منها، حتى آخر لحظة من حياتها.
كانت سهير هدايت مهمومة بمؤسسة الأهرام أيضًا، إذ كانت حواراتنا غالبًا ما تدور حول تاريخ المؤسسة وتلك الفترة الذهبية التي عاشتها قبلي منذ التحاقها بها. وقد روت لي أنها حين انضمت للمؤسسة، لاحظ الأستاذ محمد حسنين هيكل تشابه الاسم مع الراحل صلاح هدايت، عضو مجلس قيادة الثورة، فسألها إن كان هناك صلة قرابة بينهما، فأخبرته أنه عمها شقيق والدها. وكان من أمر الأستاذ هيكل أنه تعجب من أن صلاح هدايت لم يوصِه عليها. لكن كانت هذه هي سهير هدايت؛ تسير في طريقها دون أي وساطات أو توصيات، رغم أنها كانت لا تتردد أبدًا في أن تتوسط لأي مريض وتوصي به، حتى وإن كانت لا تعرفه أصلًا، خاصة إذا كان يعاني من ضيق ذات اليد أو من عدم القدرة على الوصول إلى العلاج. وكانت تتابع الأمر بنفسها بصبر عجيب حتى يحصل المريض على فرصته في الشفاء. وكانت تلك هي سعادتها الخاصة.
روت لي أيضًا عن فترة عملها مع الراحل علي حمدي الجمال، وكيف انتقلت إلى القسم العلمي عندما تولى الراحل الأستاذ إبراهيم نافع رئاسة تحرير جريدة الأهرام. ثم انطلقت في هذا الميدان لتصبح واحدة من أهم صحفيات القسم العلمي، ليس في مصر فقط، وإنما في المنطقة العربية أيضًا، وكانت ضيفة دائمة على المؤتمرات العلمية والطبية في أوروبا.
وقد لجأتُ إليها شخصيًا عام 2013 حين عملت مستشارًا إعلاميًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان بالمكتب الإقليمي، للتجهيز لمؤتمر السكان والتنمية الذي عقد في القاهرة، لتجري حوارات مع عدد من كبار الأطباء المصريين المتخصصين في مجال صحة الأسرة. وكنت أظن أن الأمر صعب لضيق الوقت، ولكن تقدير عدد من كبار الأطباء لها سمح بأن تجري تلك الحوارات بسرعة بالغة. وما زلت أذكر سعادة الزميلة علياء أبو شهبة، المحررة العلمية بمجلة "روز اليوسف"، حين علمت أنها أخيرًا ستلتقي بالأستاذة سهير هدايت أثناء ورشة تدريبية للإعلاميين والصحفيين العرب، عقدها صندوق الأمم المتحدة للسكان والتنمية ضمن استعدادات الصندوق لعقد مؤتمر السكان والتنمية عام 2013 بالعاصمة الأردنية عمان.
لم تكن سهير هدايت شخصية عادية، رغم أنها كانت تصرّح دائمًا بغير ذلك. كانت محررة صحفية فذة، وكانت امرأة تمتلك وعيًا سياسيًا عميقًا، وكانت تحمل لمؤسسة الأهرام عشقًا غائرًا. وكثيرًا ما كانت نقاشاتنا تمتد إلى ما يؤرقها خوفًا على ما حققته المؤسسة في عصرها الذهبي، وما آلت إليه بسبب تراجع أوضاع الصحافة بشكل عام. وكانت نبرات صوتها تحمل الضيق أحيانًا من ذلك، ثم لا تلبث في نهاية الحديث أن تنفجر ضاحكة، وتطلق ضحكة صافية راقية تدفعني للضحك أيضًا.
رحم الله سهير هدايت، الصحفية، والأم، والأخت، والصديقة، تلك المرأة التي حملت قلبًا صافيًا للجميع، حتى لمن لا تعرفهم.