البث المباشر الراديو 9090
ريهام المهدي
يحتفل المصريون بذكرى يوم السادس من أكتوبر، عُرس الأيام المصرية، في عيده الثاني والخمسين، ذلك اليوم الذي تكشّفت فيه للعالم حقيقة أكذوبة «الجيش الذي لا يُقهر» على يد قوات الجيش المصري بعد عبوره القناة واقتحامه لخط بارليف، محققًا نصرًا مثَّل لحظة فارقة في تاريخ المنطقة العربية والعالم بأسره.

يحرص رواد التواصل الاجتماعي على استعادة كل ما له علاقة بالحرب بين مصر وإسرائيل، مشاركين بذلك الكثير من الصور والمقاطع الأرشيفية، لتحتل الصدارة تلك المقاطع الموثقة، وأبرزها فيديو نادر يظهر عودة الأسرى الإسرائيليين وهم يرتدون بيجامات «كاستور» (من إنتاج مصانع غزل المحلة الشهيرة).

وقد شهد الاحتفال هذا العام مساحة أكبر من التفاعل بعد أن أعلنت الإعلامية إسعاد يونس عن حلقتها الخاصة بنصر أكتوبر من برنامجها "صاحبة السعادة" ببوستر ظهرت فيه بإطلالة ساخرة ذكية، مرتدية البيجامة الكاستور، قاصدة بذلك أن تعيد مرة أخرى إلى الأذهان صور الأسرى الإسرائيليين وهم في قمة انكسارهم، مرتدين الكاستور المصري، والذي كان بأمر من الرئيس الراحل أنور السادات أثناء ترحيلهم من مصر.

لقطة لن تُمحى من ذاكرة الإسرائيليين، تُوضّح حجم الفجعة والمفاجأة التي وقعت على رؤوسهم وهم يستقبلون أفراد عناصرهم من ضباط وجنود، وفي مقدمتهم جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل، التي لم تستطع أن تتخلى عن ملامح القوة والثبات وقتها، فوقفت تبكي من شدة الانكسار والحسرة والألم.

مشهد جسّد دلالة ورسالة مباشرة من الرئيس الراحل أنور السادات بأن كرامة شعب مصر على كل شبر من أرضه خط أحمر بفضل جيشه الباسل.

ولم تقف رسالة رجل الحرب والسلام عند حدّ توقيع الهزيمة على العدو الصهيوني بإذلال الـ242 أسيرًا ليعودوا إلى قادتهم ويخبروهم من هو الجيش المصري، ولا حتى عند حدّ الوقوف على فكرة الإسقاط التي تعمّدها الزعيم الراحل في استخدامه لرمز البيجامة الكاستور المرتبطة بالتراث الشعبي المصري.

كانت رسالة زعيم مصر الراحل هي القصاص من مشهد كان يتداول للقطات تلفزيونية قديمة موثقة خلال حرب 1967، تظهر فيها عناصر من جنود الشرطة العسكرية الإسرائيلية وهم يعذبون أسرى مصريين بشكل مهين، شمل ضربهم بشكل مبرح بعد تجريدهم من ملابسهم العسكرية وإبقائهم بملابسهم الداخلية. لتظل هذه المشاهد بمثابة وقود يشعل نار الثأر في صدر الرئيس الراحل أنور السادات، الذي فاز بالثأر وجسده في أمره بأول تبادل للأسرى بعد حرب أكتوبر في نوفمبر 1973، حيث عادوا بنفس بيجامات الكاستور المقلّمة التي سبق أن استخدمها هتلر في معتقلاته. وبذلك ارتبط الكاستور عند اليهود بأكثر من ذكرى مؤلمة، فقد أُذلّوا به أولًا على يد الألمان النازيين، ثم عاد أسراهم به، ليتحول إلى رمز وطني خالد للانتصار على يد السادات عند المصريين.

وهنا نتوقف أمام عبقرية السادات النابعة من فهم عميق للعقلية الصهيونية الاستعلائية المشهودة في النخب الحاكمة في إسرائيل على مرّ العقود، والتي تجسد معتقداتهم بأن مفهوم الأمن القومي للكيان الصهيوني يكمن في تحقيق الهزيمة النفسية في نفوس الشعوب العربية، عبر ادعاءات وأكاذيب يرددها قادتهم ومسؤولوهم، هدفها ترسيخ فكرة ومفهوم «الردع» ضد أي اعتداء عليها منذ البداية. وذلك هو السر في حرص إسرائيل الدائم على إلحاق أقصى درجات الأذى في حروبها، والذي نراه في استخدامها سياسة التجويع كسلاح، بجانب ذبحها للأطفال وقتلها للنساء في مشاهد تتعمّد فيها بث الذعر والخوف، لتجني بذلك هيبةً وجبروتًا، وتجعل من نفسها قوة تُفرض بالخوف والرعب، من أسطورة «الجيش الإسرائيلي الذي لا يرحم»، لا بالسلام ولا بالتعايش ولا بالأخوة الإبراهيمية ولا بالنسب السامي كما تدّعي.

وتنبثق عبقرية السادات وبراعته في استخدام السرية التامة واللجوء إلى سلاح الخداع الاستراتيجي والتخطيط، كأسلحة حقق بها نصرًا ساحقًا أمام تفوق هائل في التكنولوجيا والإمكانات العسكرية التي كانت لصالح العدو الإسرائيلي آنذاك. وكانت الركيزة في ذلك اختياره "يوم كيبور" أو عيد الغفران، أقدس الأعياد في الديانة اليهودية، فهو الصيام الوحيد المذكور في التوراة، ويتطلب صيام مدة 26 ساعة متواصلة تتوقف فيها جميع أوجه الحياة في إسرائيل، فكان سببًا في دراسة قرار الهجوم في حرب لم تكن فيها القوات الإسرائيلية بكامل استعدادها.

وبذلك يتحول الاحتفال عند الإسرائيليين بـ"يوم كيبور" إلى ذكرى احتفال المصريين بـ"يوم الكاستور".

وبذلك نحتفل اليوم، للمرة الثانية والخمسين، بتجدد رسالة الزعيم الراحل محمد أنور السادات في أن الهزيمة في حرب أكتوبر المجيدة لم تقتصر فقط على أرض المعركة، بل امتدت إلى إهانة معنوية لهم، عكست نخوة جنودنا وقوة جيشنا وقدرته على الحفاظ على أرضه، وبراعته في الأخذ بالثأر بكافة الأشكال.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز