البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
لا يمكن المزايدة على أن الجهود المصرية المتواصلة نجحت في إجهاض مخطط تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وهو ما سعت إليه قوات الاحتلال الإسرائيلي على مدار العامين الماضيين، بالإضافة إلى تعزيز صمود الفلسطينيين عبر الضغط على الكيان الصهيوني لزيادة حجم المساعدات الإنسانية والغذائية إلى غزة خلال الأيام الماضية.

لكن خلف تلك الجهود مسألة أعمق، تتمثل في قدرة مصر على تحقيق الاستقرار وسط منطقة ملتهبة تحيط بها من كل جانب، وهو أمر لم يكن ليتحقق بسهولة لولا صلابة المؤسسات المصرية وصمود الشعب المصري أمام التحديات.

والحقيقة أن قدرة مصر على الحفاظ على الاستقرار، وسط اشتعال العديد من الدول المجاورة في المنطقة، يمكن أن تُعزى إلى مجموعة من نقاط القوة الداخلية والعوامل الخارجية، التي ساعدت على ترسيخ هذا الاستقرار وسط الاضطرابات.

من ذلك، أن لمصر تاريخًا طويلًا كدولة مركزية ذات مؤسسات راسخة، وهو ما ساعد أجهزة الدولة المختلفة، وخاصة المؤسسة العسكرية، بمرونتها في مواجهة الاضطرابات الواسعة النطاق، على حفظ الأمن والاستقرار. كما أن مؤسسات الدولة متأصلة بعمق في المجتمع والاقتصاد المصريين، مما يمنحها فهمًا دقيقًا لنبض المجتمع، ويساعدها على الحفاظ على تماسك النظام العام.

والحقيقة أيضًا أن الجيش المصري عمل كضامن لسلامة الدولة بعد أحداث يناير 2011، وما تلاها من فترة من عدم الاستقرار السياسي، بما في ذلك الحكم القصير لجماعة الإخوان المسلمين، عندما تدخلت المؤسسة العسكرية لاستعادة النظام وإعادة تأكيد سيطرة الدولة في عام 2013.

وقد رحبت الغالبية العظمى من المصريين بهذا التدخل واعتبروه خطوة ضرورية لمنع المزيد من الانزلاق إلى الفوضى التي كان يمكن أن تحدث على غرار ما جرى في بلدان أخرى.

كما يتمتع الجيش المصري بمستوى عالٍ من ثقة الشعب، وهو ما أكدته قوات الأمن المصرية من خلال دورها المهم في القضاء على التهديدات الأمنية المختلفة، خاصة في مواجهة الجماعات الإرهابية في سيناء، والحفاظ على النظام داخل البلاد.

ومن المهم الإشارة إلى أن مصر، بتبنيها سياسة خارجية متوازنة، نجحت في تجنب التورط في الصراعات الإقليمية، وهو ما ساعد الدولة المصرية على الحفاظ على علاقات قوية مع مجموعة متنوعة من القوى والجهات الدولية.

وقد سمح هذا النهج بالتعامل مع القضايا الإقليمية المعقدة بشكل سلس وناجح، وهو ما ينبغي الحفاظ عليه وتطويره.

كذلك يجب أن ندرك أن حجم التحديات أمام الدولة المصرية يزداد بزيادة معدلات التنمية، وهي مسألة ينبغي مراعاتها جيدًا.

ومن الضروري الحفاظ على هوية وطنية قوية لدى المصريين، تلك الهوية التي شكّلها نهر النيل ورسخها تاريخ طويل ومستمر للدولة المصرية عبر آلاف السنين، بحيث تصبح هذه الهوية حاجزًا منيعًا ضد الصراعات الطائفية أو العرقية التي تعاني منها بعض بلدان المنطقة.

والحقيقة أن مسألة الحفاظ على الهوية المصرية وترسيخها تحتاج إلى إعلام قومي قوي ومثقف ومتوازن أيضًا، وهي قضية أظن أن الدولة تتصدى لها الآن بهدوء وروية، وبخطة استراتيجية طويلة الأمد، كما أن المسؤولين عن تدريس الصحافة والإعلام مطالبين بضرورة تطوير المناهج الدراسية بكليات الإعلام، بما يضمن تخريج صحفيين وإعلاميين متخصصين في مجالات مختلفة، كالاقتصاد والعلوم والتقنيات الحديثة.

وأتمنى أن تمتد جهود الدولة إلى مزيد من التنمية في المجالات الصناعية والتقنية أيضًا، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والهندسة الرقمية، فالتقنيات الغربية تستعبدنا، ويجب علينا امتلاك القدرة على صناعة تلك التقنيات واستغلال تفوقنا في اللغة العربية لإنتاج محتوى متميز ومتفرد، يساعدنا على الإبداع والتميز، دون الوقوع أسرى لهيمنة السلطة التقنية الغربية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز