ماريان جرجس
كانت أصوات الهمهمة تعلو، والجميع يبحث عن أماكنه المخصصة، فمَن في اليمين يذهب يسارًا، ومن في اليسار يتجه يمينًا، بينما يساعد رجال القوات المسلحة المنظمون للحفل الجميع على الجلوس في أماكنهم.
جلست في مكاني، والضوء في القاعة خافت وبسيط، والجو هادئ رغم الأحاديث الجانبية، بارد قليلًا. ثم شرد ذهني برهة من الزمان، وسافرت بخيالي إلى عام 2011، وتخيلت المسرح أمامي كأنه شاطئ البحر المتوسط، وهؤلاء الناس من مختلف الفئات كأنهم يبحثون عن قوارب هجرة غير شرعية إلى الضفة الأخرى من المتوسط، حيث دول الغرب.
وتخيلت الظلام من خلفي في مؤخرة القاعة كأنه حطام دولة ابتلعت الذكريات، وانتهى كل شيء.
وفجأة، يقطع خيالي صوتٌ عالٍ:
ــ "السيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي..."
وبتصفيقٍ حادٍّ وابتسامات من حولي، استفقت من ذلك التخيل وشاركتهم التصفيق، لأسمع صوته الدافئ الحكيم يقول: "السلام عليكم.. كل سنة وأنتم طيبين.. اتفضلوا استريحوا".
تبدأ الندوة بفقراتها الجميلة الشيقة والمهنية، ويتحدث الرئيس عن أحداث عام 2011 قائلاً إن تلك الأحداث مرت بسلام فقط لأن الله تدخّل وحفظ بلادنا، وإلا لكادت أن تقع في حربٍ أهلية لا تنجو منها أبدًا.
ابتسمتُ في أمان، فقد خطفني خيالي قبل قليل إلى مشاهد مرعبة كادت أن تكون واقعًا في 2011، وأدركتُ أن من يعيش الكابوس يدرك قيمة الحياة.
فلولا أن رجالًا شرفاء أعادوا توجيه البوصلة في مصر إلى وجهتها الصحيحة، واستفاق الشعب في ثورة يونيو، لابتلعت تلك الأحداث الدولة المصرية حينذاك.
وبالفعل، كما قال سيادته: "أحداث 2011 كانت معالجةً خاطئة لتشخيصٍ خاطئ".
ولولا ذلك، لما كنا اليوم جالسين في دفءٍ وأمان ورفاهية، نشاهد فقرات الاحتفال بنصر أكتوبر، بل لكنا جميعًا على شاطئ المتوسط نبحث عن "قارب موت" للهروب من وطننا. ولكن هيهات!
كانت الندوة مخصصة للاحتفال بنصر أكتوبر وتكريم أبطاله. ويبدو أن الأبطال كُثُر؛ ففي كل ندوة يتم تكريم عددٍ كبيرٍ منهم، ويحرص الرئيس السيسي على تحيتهم بشكلٍ خاص تقديرًا لمكانتهم.
وكان نصر أكتوبر 1973 مقاربةً عميقة مع انتصار السلام في حرب غزة، وهو ما أشار إليه الرئيس حين قال إن الله أراد أن نشهد محاكاةً لحالة اليأس التي تملكت الناس بعد هزيمة 67، ثم انتصر المصريون. وهكذا كان الحال حيال حرب 7 أكتوبر، التي انتهت باتفاق سلام منذ أيام.
كما أكد سيادته أن مهمة مصر لم تنته بعد، وأنها ستدعم إعادة الإعمار مرةً أخرى في غزة، كما دعمتها من قبل الحرب.
تنتهي الندوة، ويخرج الجميع مبتسمين، يسلّمون على بعضهم البعض.
أخرج مبتسمة، وأنظر إلى مسرح المنارة نظرةً أخيرة، لأتأكد أنه مسرحٌ وليس شاطئ المتوسط، داعيةً الله أن يحفظ مصر، ورئيسها، وشعبها.