البث المباشر الراديو 9090
ماريان جرجس
مرت 84 عامًا منذ معركة العلمين الثانية في أكتوبر 1942، التي شهدت مواجهة بين دول الحلفاء والمحور، وكانت مدينة العلمين آنذاك مسرحًا لمعركة حاسمة في مسار الحرب العالمية الثانية. المكان هو المكان ذاته، لكن الزمان تغير؛ فأصبحت مدينة العلمين اليوم منصة قارية للحوار والتنمية والتعاون الاقتصادي الإفريقي، وكأن اختيارها لاستضافة المنتدى يحمل رسالة رمزية مفادها أن مصر قادرة دائمًا على تحويل الصراع إلى منصة للشراكة، وبوابة للاستثمار والتنمية والتعاون.

ويُعقد اليوم منتدى العلمين–إفريقيا للأعمال، ليكون منصة وجسرًا مؤسسيًا بين المؤسسات الاقتصادية الإفريقية، وتؤكد مصر من خلاله التزامها التاريخي والجغرافي تجاه القارة الأم وحق شعوبها في التنمية، من خلال رؤية شاملة وثاقبة تجاه إفريقيا، في لحظة تتزايد فيها الحاجة إلى التكامل الاقتصادي وزيادة التجارة البينية بين دول القارة، بالتزامن مع تعاظم تحديات التنمية والاستثمار والبنية التحتية، بما يفتح مساحة أوسع أمام إفريقيا للانتقال من صياغة الطموحات إلى تنفيذ المشروعات.

فالقارة الإفريقية لا تفتقر إلى الخطط أو المبادرات، وإنما تواجه تحديًا يتعلق بقدرتها على حشد الموارد، وإعداد المشروعات القابلة للتمويل، وجذب الاستثمارات، وربط الأسواق الإفريقية بعضها ببعض.

وكما أكد السيد الرئيس في كلمته، فإن القارة تمتلك الموارد والأسواق والشباب والموقع الاستراتيجي، لكنها تحتاج إلى تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة اقتصادية وتنموية حقيقية، أي نقل إفريقيا من مرحلة الرؤى والخطط إلى مشروعات واستثمارات على الأرض.

ويأتي في مقدمة المحاور الرئيسية التجارة البينية، وتفعيل منطقة التجارة الحرة الإفريقية، وإزالة العقبات التي تجعل انتقال السلع ورؤوس الأموال داخل القارة أكثر صعوبة. فإفريقيا تمتلك سوقًا قارية ضخمة، لكنها تحتاج إلى تحسين المعابر الحدودية، وتطوير شبكات النقل واللوجستيات، وتسهيل المدفوعات العابرة للحدود، وتوحيد أو مواءمة المعايير، وإنشاء سلاسل قيمة إقليمية، بدلًا من أن تظل كل دولة جزيرة منفصلة عن الأخرى.

كما يناقش المنتدى أمن الطاقة، وهو ملف بالغ الأهمية في هذا التوقيت الحساس، فالطاقة تمثل أساسًا للتصنيع والزراعة والتعدين والتكنولوجيا. ومن المحاور المهمة أيضًا تحديث الزراعة، والتكنولوجيا الزراعية، والتصنيع الغذائي، والاستثمار في الإنتاج الزراعي، وتحويل الموارد الغذائية إلى قيمة مضافة.

فلا يمكن أن تمتلك إفريقيا مساحات زراعية شاسعة وموارد هائلة، بينما لا تزال تستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاتها الغذائية. وتستطيع القارة تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي وتعزيز أمنها الغذائي والمائي، لا سيما إذا جرى الاستثمار في حفظ الموارد وتطوير النظم الزراعية.

وفي هذا السياق، يمكن طرح فكرة إنشاء بنك للبذور في إفريقيا، على غرار القبو العالمي للبذور في سفالبارد، وهو منشأة محفورة داخل أحد الجبال وتعمل كبنك احتياطي عالمي لحفظ أنواع البذور وحمايتها من مخاطر التغير المناخي والحروب والكوارث. ويمكن أن يكون إنشاء قبو مماثل في إفريقيا خطوة مهمة للحفاظ على التنوع الزراعي للقارة وتعزيز أمنها الغذائي للأجيال المقبلة.

فمصر دولة مهمة جدًا في معادلة الأمن الدولي، بل في أمن البشرية بأسرها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز