البث المباشر الراديو 9090
ريهام المهدي
كثيرًا من الأحداث التي نشهد تكرارها بحياتنا خلال رحلة العمر، أحداث زرعت فينا البهجة والسعادة أثناء الطفولة، وسرعان ما يمضي قطار العمر وتعود مرة أخرى، ولكن مع اختلاف الظروف والبيئة مع بقاء المناسبة. وهذا ما حدث تمامًا في احتفالية وطن السلام، التي أُقيمت مؤخرًا بمدينة الفنون بحضور وتشريف الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمناسبة احتفالات نصر أكتوبر وفرحة إتمام اتفاقية السلام على أرض شرم الشيخ.

حفل حضره طفل أمس، وطبيب ومهندس وفنان وقائد وسياسي اليوم، وبنضوج هذا الطفل نضجت معه فكرة عرض أوبريت الاحتفال بشهر أكتوبر، الذي جمع كل عناصر وآليات قوة مصر الناعمة وقدمها بصورة أذهلت جميع الحاضرين.

قدم الاحتفال باقة متنوعة من الأغاني والعروض التمثيلية والتقارير الحية والأرشيفية، مع تصريحات وشهادات توثيقية من رموز وقادة مصر الدينية والسياسية والثقافية والإعلامية.

بدأ الحفل بتلاوة قرآنية تلاها دخول الإعلامية إسعاد يونس، التي استهلت أولى كلماتها بجملة ساخرة: "معلش أنا ما جبتش البيجامة الكستور، المكوجي ضرب عليها"، في إشارة منها لرمزية "الكستور" كرمز وطني، بعدما أمر الرئيس السادات بأن يعود به أسرى الحرب الإسرائيليين إلى إسرائيل، بغرض إذلالهم وتذكيرهم بما حدث لهم داخل معتقلات هتلر، حتى لا تسول نفس قادتهم بعد ذلك التعدي على أراضي مصر أو المساس بهيبتها. مُستطردة بقولها: "ما هو أصل السلام مش صدفة ولا منحة، ده قرار وإرادة وتضحية، قرار قائد عظيم لأمة عظيمة وجيش عظيم، سلام معجون بدم الشهداء ودموع الأمهات، علشان كده غالي علينا قوي وعزيز".

تتوالى بعد ذلك فقرات الحفل بعرض شهادات تاريخية كان أبرزها شهادة الصحفي الكبير أسامة الدليل، وبنت النيل الصحفية هند الضوي، اللذين اتفقا على مقولة واحدة وهي: "لا يمكن لك أن تملك قرار السلام إن لم تملك القوة".

بداية ومُقدمة أثارت في الحاضرين والسامعين للحفل عبر قنوات التلفزيون إحساس الفخر والعزة بأننا لسنا ضعفاء ولم نكن يومًا كذلك، فالقوة ورثناها عن أجدادنا وعلينا اليوم أن نزرعها ونورثها لأطفالنا.

جاء تجسيد ذلك من خلال عرضين؛ الأول كان حوارًا بين جد وحفيد، والآخر بين الممثل محمد سلام وعدد من الأطفال. كان المغزى منهما غرس مفاهيم الانتماء للوطن، وما تعنيه لنا سيناء أرض السلام والفيروز، والتوعية بالدور الذي قام به بدو سيناء وأبطالها رجالًا ونساءً أثناء حرب أكتوبر وتضحياتهم التي لم تعرف حدودًا، والتي كانت سببًا في أن يُطلق عليهم "حُرّاس الرمال" تقديرًا لدفاعهم عن أرض سيناء وترابها.

وبكلمات الرئيس الراحل أنور السادات: "إن العبور كان من أجل السلام، وإننا حاربنا من أجل السلام"، عُزّزت بداخلنا مشاعر العزة والكرامة بأن لنا في هذه الأرض قصة ثأر رُويت بالدماء، وعلينا واجب الحفاظ عليها، وإن كان المقابل تقديم أرواحنا.

تلك هي الرسائل التي نقلتها كلمات الدكتور مجدي يعقوب، وعالم الآثار زاهي حواس، والسيد وسيم السيسي وغيرهم، حتى أطلَّ علينا البابا شنودة ببشاشته المعهودة ليؤكد أن مصر وُسمت بالسلام منذ أن هربت العائلة المقدسة من فلسطين إليها، لتكون هي المختارة بوصف "وطن السلام" عبر كل المراحل، ثم كلمة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، التي قال فيها: "السلام الدائم لا يتحقق إلا عبر وحدة وطنية واستثمار راشد، وتصدي لأي محاولة من شأنها المساس بالأوطان أو الإخلال بحقوق الشعوب ومقدراتها"، لتكون كلماته تلك هي النقطة التي أخذتنا لعرض القضية الفلسطينية وإبراز حجم الدور المصري الواضح والحازم في رفض التهجير وتصفيه القضية الفلسطينية، والذي أفضى بالنهاية إلى نجاح مؤتمر شرم الشيخ وتوقيع أمريكا ومصر معًا، وسط حضور رؤساء العالم، اتفاقية السلام التي أعادت الأمل لكل فلسطيني بأنه صاحب حق في بلاده، وأنه سيعود إليها مرة أخرى، ولكن هذه المرة ليعيش بأمان وسلام.

توج برنامج الحفل بتقرير مع بعض الأشقاء الفلسطينيين المكلومين، عرضوا فيه معاناتهم وقصصهم المأساوية، ونقلوا حجم ما عانوه من مأساة فقد أهاليهم وذويهم، مع دموع فرح ونظرات طمأنينة وسعادة بأنهم اليوم ـ بفضل مصر ـ استعادوا حلم الأمل في العودة إلى ديارهم، وهم متشوقون لاستئناف زراعة حدائقهم مرة أخرى. ثم جاءت الطفلة ريتاج التي فقدت جميع أفراد أسرتها، وخطفت قلوبنا حين قالت: "أنا مش عارفة هتفهموني ولا لأ.. بس انتوا خلاص.. مصر هي الأمان"، ثم أعلنت أمنيتها برسالة موجهة إلى الرئيس قائلة: "أبويا الرئيس عبد الفتاح السيسي.. أنا نفسي أشوفك وأسلم عليك وأبوس راسك".

وبمنتهى الإنسانية المعهودة في قائدنا العظيم، لبى الرئيس أمنيتها فورًا، مقاطعًا الحفل مشيرًا إليها بيديه قائلاً: "تعالي". وبحنو أبوي وبأمر الرئيس فُتحت لها الأبواب واستقبلها بنفسه واحتضنها ثم قبّلها، لتجلس بجانبه بسعادة غامرة، تكريمًا منه لها ولكل الفلسطينيين على أرض مصر في عهده، وسط تصفيق جميع الحاضرين.

حفل تجاوز في عرضه وتنظيمه صفات الجمال والروعة واحترافية الإعداد وإبداع الاختيار، اختتمنا به شهر أكتوبر الذي بات هذا العام تاج شهور السنة المصرية، فلم يعد وقفًا على ذكرى النصر فقط، بل أصبح بعد عام 2025 عام النصر والسلام.

وفي الختام، وبنبرة قوة وملامح فخر ارتسمت على وجه الإعلامية إسعاد يونس، لخّصت المغزى كله بعبارة قالت فيها: "ما هو لما يبقى وزنك تاريخ وجغرافيا وحضارة وعلم وأدب وفن وشعر وموسيقى.. يبقى القدر اختارك تكون كبير.. والكبير قدره إنه يكون قد المسؤولية.. ومصر طول عمرها كبيرة وهتفضل مسؤولة تجاه القضية الفلسطينية، بفضل رؤية ثاقبة من الرئيس عبد الفتاح السيسي.. رؤية شهدها العالم لما خط بإيده خطوط اتفاقية السلام على أرض السلام شرم الشيخ".

انتهى الحفل، لكن كان للرئيس كلمة أعاد فيها الفضل والعرفان لله قائلًا: "إن ما حدث في شرم الشيخ فضل كبير يرجع إلى الله، فهو الأحق بالشكر، وإن كان لنا من توفيق فهذا يعني أن قضيتنا قضية عادلة".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز