البث المباشر الراديو 9090
مي عجلان
ثمّة محطاتٌ في الحياة لا نصلها بقرارٍ واعٍ، بل تدفعنا إليها الأقدار دفعًا، كما لو أنّها تعرف ما نحتاج إليه أكثر مما نعرف نحن.

كانت تلك التجربة واحدةً من هذه المحطات، بدايةً لم أخطّط لها، ولم أكن أظنّ يومًا أن أسلك طريقها، لكنها كانت الباب الذي فُتح أمامي على عالمٍ لم أتوقّع دخوله، ولا كنت مستعدّةً له تمام الاستعداد.

حين انتقلتُ إلى المكان الجديد، كان كل شيء مختلفًا: الوجوه، الإيقاع، بيئة العمل، وحتى طبيعة المهام التي أُسندت إليّ. وجدت نفسي في فريقٍ لم أعرف أفراده من قبل، وفي ميدانٍ لم أدرسه أكاديميًا، ولم أكن أظنّ أنني سأعمل فيه يومًا. لم يكن الانتقال سهلاً، على الرغم من أنّ الغربة لم تكن جديدةً عليّ؛ فقد جرّبتها في مدنٍ أخرى، وبين ثقافاتٍ أخرى. لكنّ هذه المرة كانت غربةً من نوعٍ مختلف، غربةً في المضمون لا في المكان، في التجربة لا في المسافة.

كنتُ أمارس مهامًا لا تُشبه ما اعتدتُه، وأتعامل مع مواقف لم أكن أملك مفاتيحها. كانت التجربة صادمةً في بدايتها، لكنها مع الوقت بدأت تُظهر وجهها الآخر، وجه التعلّم والتطوّر والنضج.

ومن هنا تعلّمت أنّ الأعمال التي لا تختارها بإرادتك قد تكون أكثر صدقًا في تشكيلك من تلك التي سعيتَ إليها بشغفٍ سابق. في عملي أدركتُ التعب بالاكتشاف، وتعلّمتُ أن أُدير وأُدار، أن أسمع وأن أُسمَع، أن أحتوي الآخرين كما أحتوي نفسي، وأن أرى في كل موقفٍ ـ مهما كان صعبًا ـ حكمةً خفيّة لا تُدركها العيون لأول وهلة.

كانت تجربةً جعلتني أرى النعمة في تفاصيلٍ لم أنتبه إليها من قبل: في الصباح الذي يبدأ بخطوةٍ مترددةٍ إلى المكتب، وفي مساءٍ ينتهي بدعمٍ من زميلٍ فهمك أخيرًا بعد سوء فهمٍ طويل. في الوحدة التي دفعتني إلى التأمل، وفي الحوار الذي أعاد لي إيماني بأنّ الكلمة الصادقة ما تزال قادرةً على صنع الأثر.

في تلك الغربة تعلّمت أن الخلوة ليست عزلة، بل مساحةٌ للتصالح مع الذات، وأنّ مراجعة الأخطاء ليست جلدًا للنفس، بل خطوة نحو نُضجٍ أعمق. وأنّ كل تجربةٍ ـ مهما بدت ثقيلةً في بدايتها ـ تحمل في طيّاتها رسالةً من الله مضمونها الصبر.

تعلّمتُ من تلك التجربة أنّه لا شيء مضمون في هذه الحياة سوى الله، وأنّ كل ما نملكه قد يُسلب في لحظة، وأنّ ما نظنّه طريقًا مغلقًا قد يكون بوابةً إلى خيرٍ أكبر. وأنّ الله يُربّينا بالخبرات، ويُهذّبنا بالتجارب، ويعلّمنا بالصبر كيف نقرأ مقاصده الخفية.

واليوم، وأنا أكتب هنا، لا أقدر على فراق مهامي التي صارت جزءًا من إيقاع يومي، ولا فريقي الذي صار أكثر شبهًا بالعائلة. لم يعد عملي مجرّد وظيفة، بل رحلةٌ مستمرة من التعلّم، والامتنان، وإعادة اكتشاف الذات كلَّ يومٍ من جديد.

لقد أيقنت أنّ العمل الذي يختارك لا يجيء صدفة، بل يُرسلك الله إليه لتتعلّم شيئًا عن نفسك، عن الناس، وعن الحياة. وأنّ التجارب التي تبدأ بلا شغف قد تُنبت داخلك شغفًا من نوعٍ آخر؛ شغفًا ناضجًا لا يضجّ بالبداية، بل يزدهر بالاستمرار.

ذلك هو عملي الذي اختارني، ولم أختَرْه، لكنه علّمني أنّ الاختيار الحقيقي ليس دائمًا في البداية، بل في الاستمرار رغم الصعوبة، والبقاء رغم التحديات.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز