مي عجلان
في البداية، كان الانتقال مغامرةً، كنتُ أراه بدايةً جديدة، خطوةً نحو حياةٍ أوسع وأحلامٍ أكبر. كنتُ أفرح بفكرة التغيير، بالوجوه الجديدة، بالشوارع التي لم تطأها قدماي من قبل. لكن مع مرور السنوات، ومع كل حقيبةٍ تُحزم، وكل غرفةٍ تُغلق خلفي، صار الأمر أثقل. لم يعد الرحيل يثير الحماس كما كان، بل يوقظ في داخلي شيئًا من التعب، من الحنين، من الرغبة في الجذور بعد طول الترحال.
مع الوقت، بدأتُ أدرك أنني لا أسكن البيوت، بل هي التي تسكنني. كل بيتٍ مررتُ به ترك فيَّ أثرًا لا يُمحى؛ غرفةٌ ضيقةٌ علّمتني البساطة، ومدينةٌ مزدحمةٌ لقّنتني الصبر، ونافذةٌ تُطلّ على البحر ذكّرتني أن الجمال لا يحتاج إلى مساحة. ربما لهذا السبب لا نشعر بالانتماء حين ننتقل، لأن الأماكن التي غادرناها لا ترحل فعلًا، بل تبقى داخلنا في تفاصيل الذاكرة.
ومن بين كل هذا، بدأتُ أبحث عن معنى البيت، هل هو جدرانٌ نأوي إليها، أم وجوهٌ تمنحنا الأمان؟ هل هو مدينةٌ نولد فيها، أم إحساسٌ يسكن القلب مهما تغيّرت الأماكن؟ أحيانًا أؤمن أن البيت ليس مكانًا ثابتًا، بل سكينةٌ حين يهدأ القلب، لحظةٌ صادقةٌ نسمح فيها لأنفسنا أن نتنفّس بعمقٍ دون خوفٍ أو استعجال. أو هو ذلك الشعور بأنك لستَ مضطرًّا لشرح نفسك، وأن العالم كلّه يمكن أن يصمت بمجرد أن تُغلق بابك.
لكنني ما زلتُ أرحل. وكل مدينةٍ تتركني وفيَّ شيءٌ منها، وكل مكانٍ أغادره يأخذ قطعةً من قلبي معه. وأتعلّم في كل مرة أن التعلّق مؤلم، لكن الفقد أكثر رحمةً حين ندرك أن الحياة لا تمنحنا استقرارًا كاملًا، بل تمنحنا القدرة على التكيّف. وفي أوقاتٍ كثيرة، أشعر أنني معلّقةٌ بين مكانٍ مضى وآخر لم أعتد عليه بعد. وأحيانًا يملؤني إحساسٌ بعدم الأمان، كأن الأرض تهتزّ تحت قدميّ، كأن كل ما بنيتُه قابلٌ للرحيل في لحظة. وأحيانًا أخرى، أفقد شغفي تجاه الأشياء، وكأنني سئمتُ من البداية من جديد، ومن ترتيب الفوضى كل مرة.
لكن في وسط هذا التعب، هناك لحظةُ إيمانٍ خافتةٌ تضيء داخلي: أن الله يرى. يرى التعب الذي لا يُقال، والحنين الذي لا يُفهم، يرى خوفنا من الغد، وارتباكنا من المجهول، وحيرتنا بين الاستمرار والتوقف. وأجد في ذلك عزاءً عميقًا أن الله لا يترك التائهين دون دليل، وربما في النهاية، حين يسكن السلام في داخلنا، وتستقر قلوبنا رغم تغيّر الأماكن، نصبح نحن البيت، ونحن المأوى. وحين نكفّ عن البحث في الخارج، نجد أن كل الطرق كانت تقودنا إلى داخلنا، إلى حيث الإيمان والسكينة، إلى البيت الذي لا يرحل.